الجميع يعلم بأن فوز حماس في الإنتخابات الفلسطينية كانت قنبلة الموسم التي إنفجرت في وجه الدنيا..
إن العالم سيشاهد نمطا جديدا من حكومة فلسطينية لم يؤلف وجوه أعضاؤها إلا وهم وراء القضبان الحديدية. وعلى الفور أطلقت صفارات الإنذار الأميركية والإسرائيلية لتنبيه العالم الى "الخطر القادم" من منطقة الشرق الأوسط. وهم كعاداتهم يريدون حشر العالم في مشاكلهم الخاصة مع المنطقة لإيجاد الشرعية لتصرفاتهم "الوحشية" في قمع الشعوب التي تنبذ عمليات التسلط والإستعباد. لا سيما وإن حماس "المنتصرة" في المعركة الإنتخابية لها القدرة على دفع عجلة مقاومة مشروع الصهيوـ أميركي من خلال كسب تأييد الشارع العربي والإسلامي.
إن الزيارة "المفاجئة" التي قام بها وفد رفيع المستوى من قيادة حماس برئاسة السيد خالد مشعل نهاية الأسبوع الماضي الى تركيا، وعقد سلسلة من اللقاءات مع أصحاب القرار في أنقرة تعد الخطوة الأولى على طريق كسب دعم الشارع الإسلامي. وإن قبول لقاء الوفد على المستوى الحزبي ـ بغض النظر عن كون هذا الحزب في سدة الحكم ـ إشارة واضحة من الأتراك الى وقوفهم مع حماس من أجل مساعدتها على تحقيق تطلعاتها "المشروعة". ما دفعت هذه الحقيقة الى إسراع إسرائيل بالتنديد بهذا الإستقبال. بينما ظلت أميركا والإتحاد الأوروبي في وضعية المراقبة لا أكثر.
خارجيا، إستطاعت تركيا إستغلال فرصة تأريخية وهي تستقبل وفد حماس في مرحلة حساسة. ذلك لأن روسيا من جانبه بعث بدعوة رسمية لحماس من أجل زيارتها لروسيا. ما يعني بالتالي إن تركيا كانت على صواب وهي تستقبل حماس. وأنها ـ تركيا ـ الأولى من روسيا لتبادل وجهات النظر قبل تشكيل الحكومة الفلسطينية. وبهذه الطريقة إستطاعت الدبلوماسية التركية كبح لجام الإتحاد الأوروبي قبل أميركا، فقطعت عليهما طريق الوعد والوعيد. ومن جانب آخر نجحت تركيا في دعوة المجتمع الدولي الى إعادة النظر في موقفه من حماس بعد فوزها في إنتخابات حرة وديمقراطية. ما يفسح المجال لتركيا أن تعلب دورا مهما في ملف القضية الفلسطينية. خصوصا وأن تركيا تنظر الى حماس على أساس أنها خرجت من نطاق "الحركة" لتدخل الى نطاق "الحكومة أو الدولة".
داخليا، فقد كانت زيارة حماس ـ غير المعلنة عنها سلفا ـ فرصة ثمينة لأحزاب المعارضة لتوجيه الإنتقادات الى حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، الذي وإن إستقبل حماس باسم الحزب لا باسم الدولة. ومع أن حزب العدالة والتنمية قد حاول التهرب من مسؤولية دعوة حماس... إلا أن إستقباله لها يؤكد وجود ترتيب مسبق. بدليل علم السفارة الأميركية في أنقرة بهذه الزيارة.
فمن جانبه إنتقد دنيز بايكال "رئيس حزب الشعب الجمهوري" هذه الزيارة قائلا: " إن إتخاذ قرار أحادي الجانب دون الإستعانة بمؤسسات رسم السياسة سيخلق متاعب ومشاكل جدية"، وأضاف بايكال وهو ينتقد عدول رجب طيب أردوغان عن قبول إستقبال وفد حماس بناءا على ضغوطات أميركية: "تبينت لنا من خلال هذا الموضوع أن تركيا خاضعة للإرادة الخارجية. وأصبحت دولة لا تستطيع تنفيذ القرارات التي تتخذها. ما يدل على أن السياسة الخارجية تعيش حالة ضعف شديدة".
أما أركان مومجو "رئيس حزب الوطن الأم" فقد أفاد بأنه من المحتمل إن تكون تركيا قد عرّضت نفسها لمحن هي في غنى عنها في محاولتها القيام بعمل مفيد، وقال: " كان لابد من إنتظار وضوح الدعوات الموجهة لتركيا لكي تلعب دور الوسيط، قبل الإقدام على عقد هذه اللقاءات التي ظلت ناقصة".
بينما علق سليمان ديميرأل رئيس الجمهورية السابق قائلا: " لقد كانت زيارة مبكرة"، في إشارة منه الى إمكانية التعامل مع حماس بعد تشكيل الحكومة.
وفي عمودها اليومي بجريدة "حريت" كتبت فرائي تونج تقول في مقال لها بعنوان (لكي لا تشبه الوساطة مع حماس وساطة صدام ): " من أجل دعوة حماس الى مائدة المفاوضات، لابد من وجود إشارات تدل على أنها ـ حماس ـ ستقبل الشروط. وإلا ستصبح الوساطة معها كتلك الوساطة التي تمت مع صدام قبل الحرب".
في حين ذكر الكاتب روشن جاقر في مقاله المعنون (خطوة جريئة وخطيرة لحزب العدالة والتنمية) نشرت في صحيفة "الوطن" بأنه ليس من المعقول ربط إستقبال حماس من قبل حزب العدالة والتنمية بتأريخه الإسلامي أو بتذمره من السياسة الأميركية والإسرائيلية تجاه الأكراد. وأضاف يقول: " بدون شك إن تركيا بالنسبة لحماس دولة مسلمة وإدارتها من قبل حزب العدالة والتنمية مهمة جدا. ولعل السياسة التي إتبعتها تركيا في الآونة الأخيرة بما يخص العراق وسوريا وإيران، نالت إعجاب حماس".
وقد كتب إبراهيم قرةجول في عموده اليومي بصحيفة "يني شفق" تحت عنوان (وفد حماس في أنقرة) يقول: " تقوم أنقرة اليوم بفعل ما عجز عنه العالم، إنها تخفف الأزمة. إنها تقدم عملا مفيدا لفلسطين وللعالم معا. وإن إنتقادات إسرائيل وأميركا ستخف بعد فترة.. لأن حماس حقيقة واقعة، وعليهم تعلم أصول التعامل معها"!!.
أما الكاتب فكري بلا فقد تطرق في عموده بصحيفة "ملليت" تحت عنوان (الجوانب الحساسة في زيارة حماس لأنقرة) الى الدور الذي يمكن لأنقرة أن تلعبه في المنطقة فيقول: " إن تركيا في وضعية يمكنها أن تلعب دورا في هذه القضية. وإن حماس تنظر الى الموضوع بحرارة. لا سيما وإن وصف رجب طيب أردوغان لعملية إغتيال الرئيس السابق لحماس بـ (إرهاب الدولة)، وطلب تركيا إنسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في مقابل طلبها من حماس نزع أسلحتها قد شجعت حماس الى التقرب من تركيا".
ويقول جونري جيوا أوغلوا وهو يتحدث عن تخوف الذين يقارنون بين إستقبال أنقرة لحماس وإستقبال إسرائيل لحزب العمال الكردستاني (PKK) في عموده اليومي بصحيفة "ملليت" تحت عنوان (مخاض حماس): " إن حماس وإن كانت راديكالية إلا أنها حزب فاز في إنتخابات نظمت في أراضيها.. ما علاقتها بحزب العمال الكردستاني"، وأضاف: " كل ما يمكن قوله هو أن هذه الزيارة ستزيد من أوجاع تركيا".
وبعد كل ما سبق، فإن حماس بزيارتها " الجدلية" لأنقرة تكون قد فتحت بابا لتركيا يمكنها من خلاله إثبات كونها قوة إقليمية ذات تأثير مباشر في مجريات الأحداث في المنطقة. وأنها في مستوى من التقدم بحيث تستطيع أن تكون نموذجا لدول شرق الأوسط. الأمر الذي إنعكس على تصريحات السيد خالد مشعل قبل مغادرته لأنقرة، حيث قال: " نحن دوما نتمنى الأفضل لتركيا.. نحن نرغب أن تتقدم تركيا بحيث تصبح قادرة على لعب دور في المنطقة مستقبلا". إذن والحال هكذا ما على تركيا إلا أن توجه بوصلة سياستها نحو شرق الأوسط بدلا من أوروبا.. وأن تبدأ برسم خارطة سياسية جديدة يمكن أن تضم داخل حدودها كل الدول التي تتقاسم تركيا معها الدين واللغة والثقافة والعرق، إبتداءا من دول البلقان مرورا بدول آسيا الوسطى وليس إنتهاءا بالدول العربية الإسلامية المجاورة. خصوصا وأن التأييد الشعبي لزيارة حماس والإستياء من الرضوخ للضغوطات الخارجية، سيكون عاملا مساعدا على تسريع الخطوات على هذا الطريق. فهل ستتجرّأ أنقرة على تحويل وجهتها عن أوروبا كتجرّئها على إستقبال حماس؟!.
* أكاديمي عراقي
حماس تفتح الباب أمام تركيا...منير بياتلي*
