هيئة علماء المسلمين في العراق

مسوؤلية استباحة شعب العراق: الجريمة والعقاب! سعد داود قرياقوس
مسوؤلية استباحة شعب العراق: الجريمة والعقاب! سعد داود قرياقوس مسوؤلية استباحة شعب العراق: الجريمة والعقاب! سعد داود قرياقوس

مسوؤلية استباحة شعب العراق: الجريمة والعقاب! سعد داود قرياقوس

يخال للمطلعون على طروحات أركان إدارة بوش وتصريحاتهم بأنهم ليسوا السبب الرئيس وراء الكارثة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها شعب العراق! وليسوا مَن حقن عناصر الفرقة والتجزئة والتأزُّم الطائفي والعرقي في بنية الشعب المحتل! وليسوا مَن دفع مكونات هذا الشعب إلى حافة صراع واقتتال وطني! وليسوا المسؤولين عن كل ما يعانية شعب العراق من دمار وتشريد وجوع ومعاناة ويأس!
مَن يتوقف أمام تصريحات رامسفيلد الأخيرة وشركائه في جريمة اغتيال العراق، ويستقرئ شهاداتهم أمام لجان الكونغرس وتحليلاتهم لتطورات الوضع في العراق والأحداث المؤسفة التي شهدتها مدنه إثر الاعتداءات السافرة على المراكز الدينية، لا تفوته ملاحظة نفاق تلك الطروحات ومغالطاتها، وسيلاحظ محاولتهم تقديم دورهم كطرف محايد ونزيه في صراع داخلي، وسعيهم لغسل أيايدهم الملطخة بدماء العراقيين برياء وزيف واضحين. في انتقائية مقزِّزة يطرح أركان الإدارة تصوراتهم عن الوضع السياسي بالغ التعقيد في العراق وكأنهم ليسوا المسؤولين عن كل ما عانى منه شعب العراق خلال العقود الثلاث الماضية، وتحديدًا منذ قرار تأميم نفط العراق! وكأنهم ليسوا المسؤولين أيضًا عن اندلاع الحرب العدوانية التي شنها النظام العنصري الإيراني على العراق عام 1980 وإطالة أمدها! وأنهم ليسوا المسؤولين عن شن الحرب العدوانية التي تعرَّض لها شعب العراق عام 1991، بالتعاون والتنسيق المباشرمع الكيان الصهيوني، والأنظمة العربية المتخاذلة! وكأنهم ليسوا المسؤولين عن تبعات جريمة الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرضوه على شعب العراق بشكل غير قانوني لمدة ثلاثة عشرة عامًا!
وليسوا المسؤولين عن فبركة ملفات حيازة العراق أسلحة الدمار الشامل، وادعاءات خرقه لقرارت مجلس الامن، وفبركة المخاطر الوهمية التي شكلها العراق على السلام والاستقرار الدوليين! وليسوا مسؤولين عن فبركة علاقة الحكومة العراقية بمنظمات تطلق عليها واشنطن وحلفاؤها صفة الإرهابية! وكأنهم ليسوا المسؤولين عن شن الحرب العدوانية على شعب العراق واحتلاله تحقيقًا لأهداف اقتصادية، وتنفيذًا لمآرب استعمارية وصهيونية. احتلالٍ سبَّب كل ما يعاني منه شعب العراق من دمار ومخاطر تهدد وجود العراق ككيان دولة وشعبًا موحَّدًا.
مَن يصغي للقلق المصطنع لدونالد رامسفيلد، وإلى اكتشاف خليل زادة لصندوق الشر الذي فتحته الإدارة الأمريكية باحتلالها للعراق، قد يتوهم بأنهم ليسوا مَن خطط ونفذ مشاريع تمزيق وحدة شعب العراق كمقدمة لتنفيذ مشروعهم الاستحواذي، وتغيير الخارطة السياسية للمنطقة بشكل ينسجم وأولويات مشروع الهيمنة الامريكي- الصهيوني وأهدافها!
وكأنهم ليسوا مَن خلق الفجوة الأمنية الخطرة! وليسوا مَن خطَّط ونفذ عمليات تدمير مؤسسات الدولة العراقية وهياكلها الأساسية! وليسوا مَن خلق المناخ الملائم لرواج الخطاب الطائفي والعنصري للحركات السياسية المتحالفة مع سلطة الاحتلال! وليسوا مَن ساعد تلك الأحزاب على فرض برامجها الطائفية والانفصالية! وأنهم ليسوا مَن أدخل المحاصصة الطائفية والعرقية للمعادلات السياسية العراقية! وليسوا مَن صعَّد حدَّة الاستقطاب الطائفي في مجتمع نجح في التخلص من أمراض الطائفية ومآسيها منذ عقود عديدة!
يطرح أركان الإدارة رؤيتهم للوضع المتدهور في العراق واحتمال اندلاع الحرب الأهلية وكأنهم جهة محايدة لا تأثير لها في معالات الصراع الخارجية والداخلية! وكأنهم ليسوا من صمَّم اللعبة السياسية الهزيلة وفرض انتخابات مزيفة، ودستورًا مسخًا يحمل العديد من عناصرالتجزئة وألغام الاحتقان الطائفي! وليسوا مَن قصف ودمر المدن العراقية الرافضة لمشروع الاحتلال، والرافضة لبرامج الأحزاب الطائفية المرتبطة بإيران! وليسوا المسؤولين عن عمليات التطهير العرقي والتهجير السكاني التي تشهدها مدن شمال العراق وجنوبة! وليسوا المسوؤلين عن الاختلال السكاني وتشريد أبناء المدن العربيَّة وتهجيرهم إلى خارج العراق! وليسوا المسؤولين عن تسهيل عملية بناء الامتداد الإيراني في جنوب العراق! وليسوا مَن صرف النضر عن عمليات المخابرات الإيرانية ونشاطاتها ومحاولاتها لتفريس جنوب العراق! وكأنهم ليسوا مَن شكل وهيَّأ وجهز الجيش الطائفي من عصابات الأحزاب العنصرية الكردية والحركات الطائفية حصرًا، وعلى أسس ومعايير طائفية وعنصرية ضيقة تنفيذًا لمخطط الاحتلال وحماية مؤسساته، وقمع مقاومته الوطنية، وإرهاب العراقيين الرافضين لمذلة الاحتلال وإبادتهم!
إن مسؤولية إدارة بوش الليكودية والإدارتين السابقتين لها ودورهم المباشر في تدمير الدولة العراقية وتحطيم الأطر الاجتماعية والاقتصادية لشعب العراق مسلمة لا تحتاج لبرهان. فإدارة بوش تتحمل بشكل مباشر مسؤولية نتائج الاستقطاب الطائفي المتفاقم في العراق، ومسوؤلية أي انفجار طائفي وعرقي مستقبلي في العراق، وتتحمَّل مسؤوليَّة كل ما شهده العراق من خراب وتدمير.
من الضروري أن نثبت في هذه المساهمة، بأن الانهيار الشامل الذي يشهده العراق لم ياتِ نتيجة حسابات الإدارة الأمريكيَّة الخاطئة، ولا نتيجة قرارت مستندة على معلومات غير دقيقة كما تحاول الإدارة الأمريكية الإيحاء به، بل إن الوضع الكارثي هو جزء ممَّا خططت له الإدارة لضمان نجاح سيطرتها على مقدرات شعب العراق والمنطقة.
إنَّ مسوؤلية الإدارة الأمريكية المباشرة لتبعات الوضع المتفاقم خطورة في العراق لا يلغي مسوؤلية الأطراف الإقليمة والعربية الأخرى التي ساهمت في استباحة شعب العراق وتدميره. فمسؤولية ايران والنظام السعودي والمصري ونظام آل الصباح في توفير الغطاء المطلوب للعدوان ومدِّه بكل وسائل الدعم والإسناد، بالإضافة إلى الدورالثانوي للأحزاب العميلة للإدارة الأمريكية والحكومة الإيرانية ودول الجوار الأخرى، واضحة وموثقة.
إزاء المسوؤلية المباشرة للإدارة الأمريكية في تدمير العراق دولة وشعبًا، وإزاء حقيقة أن الوجود الأمريكي في العراق يمثل مصدر كل مآسي شعبه، ويشكل الخطر على مستقبل شعب العراق والأمة العربية. فالاحتلال ومؤسساته وقواته يجب أن تبقى الهدف الأول لنضال شعب العراق وقواه السياسية ومقاومته المسلحة. نعم هنالك أطراف ثانوية محلية، إلا أنه على الرغم من تأثيرها الضار ومخاطرها على مصالح شعب العراق، تبقى مخاطرها ثانوية قياسًا بمخاطر الوجود الأمريكي. كما أن شعب العراق قادر على التعامل معها ودحرها بعد دحر الاحتلال، كما دحرها في المنازلات السابقة. قد يرى بعض المحلِّلين والسياسيين الوطنيين بأن التعامل مع قوات "الليفي الجديدة" والتصدي لها ضرورة تفرضها الحسابات السوقية للمعركة،إلا أن الهدف الاسترتيجي لنضال شعب العراق يجب ان يتركز على دحر قوات الاحتلال، وإفشال مشروع الهيمنة الأمريكي على الأمة العربية.
ربما قد يدَّعي نفرٌ بأنَّ دحرالمليشيات الطائفية المرتبطة بإيران في ظل الخلل الواضح في موازين القوى العسكرية، والتفوق العسكري الإيراني الواضح بعد قيام القوات الأمريكية المحتلة بتدمير القدرات العسكرية لشعب العراق قد يكون هدفًا صعب التحقيق!
هذا التساول على الرغم من مشروعيته إلا أنه يهمل جوانب تاريخية مهمة. فشعب العراق استطاع هزيمة قوات فارس في معركة ذي قار ونهروان والقادسيتين، وفي كل المنازلات المذكورة كان التفوق الفارسي واضحًا في جميع مستلزمات المعركة باستثناء الاستعداد القتالي والإيمان العميق بمبادئ الشجاعة والرجولة وقيمها. هزمناهم آئنذاك، ولسوف نهزم أحفادهم اليوم وغدًا. وسيبقى العراق كما عهدناه عراق المجد والعروبة والكبرياء.

أضف تعليق