منذ صبيحة يوم الخميس الماضي تقوم قوات الاحتلال الاميركي باسناد من بعض القوات العراقية بعملية عسكرية على مناطق في الشمال الشرقي لمدينة سامراء وصفت بانها الاكبر منذ غزو العراق عام 2003.
ان توقيت هذا الهجوم وتزامنه مع افتتاح البرلمان العراقي المصنوع لتمزيق الوحدة الوطنية. وفشله في حلحلة ازمة التشكيل الوزاري برغم مضي ما يزيد على ثلاثة اشهر وبقاء الازمة تراوح في مكانها، وكذلك فشله في الاتفاق على تسمية رئيس للبرلمان ورئيس للجمهورية ونائبيه وتزامنه مع الاعلان عن الاتفاق مع الجانب الايراني على مناقشة الشأن العراقي، وهما طرفان يفتقران لاي حق قانوني او سياسي التدخل في الشان العراقي وعلى الاخص بعد ان اكدا على استعادة السيادة للعراق، والفشل الذريع في ضبط الاوضاع الامنية المنفلتة التي تتهم قوات السلطة الراهنة في تاجيجها وتفاقمها من خلال عدد كبير من الشواهد والمؤشرات الواضحة والشهادات التي تاتي على لسان ضحاياها ممن كتبت لهم النجاة من قبضة فرق الموت التي تتهم بها وزارة الداخلية.
لقد استخدموا في هذه العملية العسكرية التي اطلقوا عليها اسم المجتاح 1500 عسكري و 60 مروحية عسكرية، وبعد مضي اربع وعشرين ساعة على البدء بهذه العملية اعلنوا عن القاء القبض على 48 شخصا اطلق سراح سبعة عشر منهم اي ان ما تبقى من هؤلاء 1 3 شخصا مشتبها في كونهم من عناصر ما يطلقون عليهم بالارهابيين، فهل هذا العدد المتواضع من المواطنين يستوجب القيام بعملية عسكرية بهذا الحشد الضخم خصوصا وانها تجري في منطقة صحراوية جرداء تمتد على مساحة 30 كيلو متر مربع محصورة بين مدينتي سامراء والدور، وليس فيها موانع او تحصينات طبيعية كالجبال او الوديان العميقة والوعرة تمكن هؤلاء من اقامة قواعد او ملاجيء سرية او ملاذات آمنة لهم فهي منطقة مكشوفة بالكامل حيث تكاد تخلو حتى من المزارع او البساتين، واما مساكن المواطنين فيها فهي متناثرة وبعيدة عن بعضها فليس فيها قرى مكتظة بالسكان او تجمعات سكنية كبيرة، ولهذه الاسباب تكاد تكون هذه العملية العسكرية الوحيدة التي تقوم بها قوات الاحتلال دون ان تواجه مقاومة من قبل المواطنين العراقيين، باعتراف بعض قادتهم العسكريين حيث جاء على لسان الكابتن تيم شوماخر من الفرقة الرابعة للمشاة "لم نواجه اي مقاومة" موضحا ان الوحدات التابعة له تقوم "بتنظيف كل منزل او بقعة" في منطقة عملياتها.
اننا على ثقة عالية بانهم سيكتشفون سريعا أن معظم ان لم يكن جميع من القي القبض عليهم من المواطنين من ابناء هذه المنطقة ليسوا سوى مزارعين او رعاة من بسطاء الناس وفقرائهم، ليس بينهم من منتسبي المقاومة الوطنية العراقية.
ومن المفارقات ان يتلقى موقع صحيفتنا على الانترنيت مجموعة كبيرة من الصور مرسلة من جهاز الاعلام الامريكي المرافق لهذه الحملة فلم نجد من بين هذه الصور على اي مظهر من مظاهر المعركة برغم انهم ارسلوا هذه الصور تحت عنوان "صور من ساحة المعركة" كما لم نشاهد صورة لاشتباك قتالي او مواجهة بين طرفين او صور لبعضهم وهم يطاردون مجموعة من المسلحين او غير ذلك من الدلالات العسكرية، بل شاهدنا مجموعة من المروحيات العسكرية الجاثمة في وسط احد الطرق في المنطقة ويقف حولها عدد من الجنود والمدنيين الامريكان وهم يلتقطون صورا تذكارية تحت ضوء الشمس المشرقة كما شاهدنا في معظم هذه الصور جنودهم وهم يتحركون في اتجاهات مختلفة من دون ان يحملوا معهم اي سلاح، بينما تكاد تخلو المنطقة المحيطة بهم من اي مظهر من مظاهر الحياة فلم نشاهد مواطنين عراقيين مسلحين او غير مسلحين او غير ذلك مما يدل على وجود هذه المعركة، الامر الذي يقود الى الظن بانهم وقعوا تحت تاثير بعض كتاب التقارير الكاذبة عن المنطقة كما وقعوا من قبل في وهم امتلاك نظام صدام حسين على اسلحة الدمار الشامل ثم اكتشفوا بعد وقت متاخر من غزو العراق ان من زودهم بتلك التقارير كان كاذبا وكان شخصا يتحرك بدفع من قوى اقليمية خدمة لمصالحها.
اما حديثهم عن العثور على اسلحة في المنطقة فهو الاخر لا يمثل جديدا لان الظروف التي مر بها العراق قبل الغزو الامريكي عام 2003 وبعده، حالة الانفلات الامني التي تشهدها هذه المرحلة تحديدا فرضت على كل مواطن عراقي في انحاء العراق كافة ان يسعى لامتلاك اي نوع من الاسلحة وباكثر كمية ممكنة استعدادا لاي طاريء قد يواجهه او يواجه عائلته. وهو ليس بالامر الجديد على المواطن العراقي ولا على واشنطن ولندن خصوصا. فلو قامت قوات الاحتلال او حتى قوات وزارة الدفاع العراقية بتفتيش اي مدينة او حي عراقي في الجنوب او الشمال او الوسط العراقي فسوف تكتشف المزيد من الاسلحة من مختلف الاصناف.
فلماذا هذه العملية اذن ؟
في ضوء ما تقدم فاننا نعتقد بان دوافع هذه الحملة لا تخرج عن واحد من الاحتمالات التالية:
1-وقوعهم تحت تاثير بعض التقارير الكاذبة التي صورت لهم الامور على غير حقيقتها واشعرتهم بوجود مكثف للمقاومة العراقية او لجماعة ابو مصعب الزرقاوي. وهو ما ستثبت الايام القادمة كذب هذه المعلومات وتفضحها، وعدم دقتها. ان كان لها قسط ضئيل من الحقيقة، وما هي الا محاولة لجر قوات الاحتلال لمزيد من التورط في المستنقع العراقي.
2-محاولة رفع معنويات جنود الاحتلال الهابطة جراء فشل مشروعهم السياسي في العراق وجراء الخسائر الفادحة التي تتعرض لها قواتهم في الارواح والمعدات.
3-صرف الانظار عن الاخفاق في تشكيل حكومة جديدة.
4-محاولة التعتيم على الاتصالات السرية التي تجري بين الجانبين الامريكي والايراني وما يدور بينهما من المفاوضات حول الشان العراقي.
العدوان الجديد على سامراء ... لماذا؟.. صلاح عمر العلي
