-مقالة مقارنة-
قد يظن البعض أن هيئة علماء المسلمين في العراق والمالكي قد التقوا أخيراً في قاسم مشترك يجمع بين توجهاتهم وتشابه الطروحات بينهم، من خلال رفض الهيئة والمالكي لموضوع الفيدرالية والأقاليم للعراق، وحتى لا تختلط الأوراق، ولا تمرر مثل هذه الأفكار، لا بدَّ على المتابعين للشأن العراقي أن يفرقوا بين هذا الرفض وذاك، فالهيئة غير المالكي، وبالتالي كل ما يصدر عن أحدهم يعبر عن فكره وتوجهه وخلفيته ورؤيته. فبدءاً نقول إنه يجب أن نفرق بين المواقف المبدئية والمواقف المصلحية، فالهيئة عندما ترفض هذا الموضوع فهو من منطلق مبدئي مبني على ثوابت شرعية وأسس وطنية، بينما موقف المالكي مبني على مصلحة، ومصلحة شخصية وحزبية وطائفية فقط، كما أن الهيئة ترفض الفيدرالية فكرةً وتطبيقاً، بينما المالكي مؤمن بالفكرة إلا أنه يرفض تطبيقها بناء على ما سنبينه. فالمالكي عندما يرفض موضوع الفيدرالية والإقليم في العراق فليس حباً بالعراق، ولا حرصاً منه على وحدة العراق، وإنما هو حريص على الاستحواذ على العراق كله، لتمرير مشروعه الطائفي على محافظات العراق وأقضيته ومدنه كلها، فالفيدرالية في نظره تعرقل هذا المشروع الذي تبناه نهجاً سياسياً واضحاً يطبقه في العلن قبل الخفاء، من خلال مظاهر الإقصاء والتهميش والقتل والتهجير والاعتقال وغيرها من الأعمال الإجرامية بحق العراقيين في ظل حكومته العميلة للاحتلالين الأمريكي والإيراني في العراق، فالمالكي يرفض الأقاليم وبشدة لأنه يفكر مسبقاً في اقتصاد الإقليم وديموغرافيته ومناهجه التربوية والتعليمية وقوته الأمنية والعسكرية، كل ذلك في حسابات المالكي حين يمانع إقامة الأقاليم والفيدراليات.
ثم إن التجاذب السياسي بين المالكي وسياسات المحافظات مبنية على المصالح كذلك ليس إلا، فلا يوجد في علاقات الحكومة مع المحافظات شيء اسمه ولاء وما شابهه، وإنما المحافظات تحرص على رضى المالكي حتى لا يعرقل مشاريعها، ولا يحاربها في رزقها ومخصصاتها، هذا كل ما في العلاقة الودية بينهما، فبالتالي المالكي حريص بالدرجة الأولى والأخيرة على حماية نفسه، ولا يهمه بالضرورة حماية مجالس المحافظات المشبوهة بالعمالة له وللاحتلال، فهو لا يريد أن يوفر لهم أي خصوصية في ظل الفيدرالية والأقاليم، وإنما يريد منهم أن يعيشوا في رعب مستمر وخوف دائم على مناصبهم، وشعورهم بحاجتهم الملحة لحكومة بغداد المركزية، فهو لا يريد أن يكون مبنى المحافظة الفلانية منطقة خضراء لمجلس المحافظة، لأن المجلس إذا استقر واستقلَّ فإنه سينافس الحكومة المركزية في بعض الصلاحيات.
هذا وإن المالكي يسعى لأن يبقى العراق كله بيده، أو بيد إيران -عفواً-، فمع طائفيته البغيضة إلا أنه مع ذلك لا يوافق على إقامة إقليم شيعي في الجنوب، ولا فدرالية للشيعة، حتى لا يتسلط على ذلك الإقليم أو تلك الفيدرالية المجلس الأعلى -مثلاً-، وهكذا شأن تفكيره السقيم مع الأقاليم الكردية والسنية على حد سواء.
ثم إذا قيل -جدلاً- كيف يخالف المالكي سادته الأمريكان الذين اقتنعوا بالوصفة السحرية التي قدمها إليهم بايدن في كون الفيدراليات تعني التعافي من أزمة الوجود الأمريكي في العراق، فيجب أن يعلم أن المالكي له هامش سياسي يتحرك به في العراق، فالتعلميات الأمريكية للمالكي لا بدَّ من أن يعرضها دولة الرئيس على إيران، حتى تنفذ بمباركة من طهران أو مشهد أو قم، فموضوع الفيدراليات والأقاليم الموصى بها في دستور بريمر والتي يراد بها تمزيق العراق وتجزئته وإضعافه يسعى المالكي لجعل العراق بهذه الصور من التمزيق والتجزئة والإضعاف في ظل وحدة العراق الوهمية التي يسيطر عليها، فأمريكا وإيران متفقان كل الاتفاق على موضوع تقسيم العراق وتهميشه وتبعيضه، لكنهم اختلفوا في الآلية فواشطن تريد ذلك من خلال الفيدراليات والأقاليم، وطهران تريد ذلك من خلال حكومة عميلة لها تقوم بهذه المهمة في العراق كله، وحرص إيران على المحافظات الكردية والسنية أكثر من حرص أمريكا على هذا الموضوع من حيث الجملة لا التفاصيل، فكان المالكي خير أداة للطرفين، وقد أعطت أمريكا للمالكي الوقت، وأعطته إيران الدعم.
وأما هيئة علماء المسلمين في العراق فموضوعها مختلف تماماً عن هذه الطروحات النتنة ذات المؤامرات الدسيسة، فالهيئة حريصة كل الحرص على وحدة العراق كله من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وأنها مدركة تماماً أن مشروع الأقاليم والفيدرالية في العراق هو تنفيذ مسبق ومخطط للمشروع الصهيوني والأمريكي والإيراني لهذا البلد، وأن الهيئة في رفضها لفكرة الأقاليم والفيدرالية لا يعني ذلك أنها راضية بواقع العراق المزري بأداء أفشل الحكومات العراقية على مر التاريخ وهي حكومة المالكي المثقلة بملفات الفساد الإداري والمالي والأمني وغير ذلك، فالهيئة رافضة لظلم الحكومة الحالية، وأنها مع مطالب الشعب في المحافظات والأقضية بضرورة العناية بالخدمات الإنسانية للشعب العراقي، ولكن الهيئة لا ترى في الفيدرالية وإقامة الأقاليم حلاً جذرياً لموضوع الخدمات وأمن المحافظات واستقرارها واقتصادها، فبالعكس تماماً ترى أن الضغط على الحكومة بهذه الموضوعات من الأهمية بمكان أن يصدر عن كل المحافظات، وعن جميع الشعب في العراق كله، وما تأييد الهيئة للمظاهرات الشعبية إلا دليل على هذا التوجه.
ثم إن الهيئة كذلك لا ترى في الفيدرالية والإقليم حلاً لموضوع التغلغل الإيراني في محافظات العراق، فهذا الموضوع لا يعالج بهذا الدواء، فالعلاج النافع والأولى والأمثل هو معالجة الداء الرئيس والمرض الأكبر وهو الاحتلال البغيض، بمقاومته أولاً، ثم برفض جميع مشروعاته وإن كان ظاهرها لصالح العراق والعراقيين، والمعارضة لعمليته السياسية التي ما حققت للعراق إلا مزيداً من القتل والتهجير والاعتقال والتعذيب والتشريد والتشويه وتردي الأوضاع جميعها، وغير ذلك مما يطول وصفه لواقع العراق في ظل الاحتلال الأمريكي.
إن هيئة علماء المسلمين لا تفسر دعوات الفيدرالية والأقاليم إلا أنها مصالح شخصية ومكاسب سياسية وآمال وهمية يسعى إليها دعاة الفيدرالية والأقاليم، وهؤلاء الدعاة لا يعبرون عن الشعب العراقي، وإنما يعبرون عن أنفسهم أو أقل من ذلك، فبالتالي لا يمكن للعراقيين أن ينصاعوا وراء هذه الدعوات ولا يغتروا بمعسول الكلام منها، وأن يشككوا في تلك الطروحات جميعها، ويبحثوا عن أسباب طرحها من هذا وذاك، ليروا بأم أعينهم المصلحة أين تكمن؟ سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، ودليل ذلك أن كل المطالبين بالفيدرالية والإقليم في أي مكان يضعون في خطاباتهم الرنانة شرطاً مفاده أن المجلس أو المحافظة أو الجهة يعلنون تراجعهم عن فكرة إقامة الإقليم وتطبيق الفيدرالية إذا ما لبت الحكومة مطالبهم أو طلباتهم، وهنا تكمن المصلحة في تلك الدعوات المبنية على غير مبدأ.
فمن هنا يتبين لنا الفرق بين رفض الأقاليم والفيدراليات من وجهة نظر هيئة علماء المسلمين في العراق، وبين وجهة نظر المالكي، فالهيئة تبنت رأيها واعتمدته من منظور شرعي إسلامي موثق بالأدلة النقلية والعقلية، بينما المالكي بنى رفضه على مشاريع وأجنده سياسية مرتبطة بإيران فضلاً عن ولائه للإدارة الأمريكية.
فحتى لا يظن بعضهم أن هناك تشابهاً بين موقف الهيئة وموقف المالكي من قضية رفض الأقاليم والفيدراليات، فباب الهيئة غير باب المالكي، فالهيئة ترفض من أجل العراق، والمالكي يرفض من أجل هيمنته وحكومته وشخصه وحزبه، والهيئة ترفض مشاريع الاحتلالين في العراق، وتعني به: الأمريكي والإيراني، بينما المالكي يسعى إلى إمكانية الجمع بين المشروعين: الأمريكي والإيراني والتوفيق بينهما لتدمير العراق وجعله في مصاف الدول المتأخرة والمتخلفة.
وإذا كان لكل واحد نصيب من اسمه، فإن معاني وحدة العراق نجدها في لفظة: "هيئة"، ولا نجدها في لفظة: "مالكي"؛ بل بالعكس فاسم الهيئة يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يمزق، بينما اسم المالكي يشير إلى الخصوصية والتفرد والملك العضوض، فشتان ما بين الاسمين.
رفض الفيدرالية والأقاليم عند هيئة علماء المسلمين في العراق والمالكي.. د. أحمد الجنابي
