هيئة علماء المسلمين في العراق

المتاجرة بأموال المحتل بعد هروبه وانسحابه ...أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي
المتاجرة بأموال المحتل بعد هروبه وانسحابه ...أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي المتاجرة بأموال المحتل بعد هروبه وانسحابه ...أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي

المتاجرة بأموال المحتل بعد هروبه وانسحابه ...أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي

كلمني أحدُ الاخوة المواطنين من العراق عبر الهاتف، مستفسرا عن الحكم الشرعي في التعامل - بيعا وشراء- مع الأموال التي باعها الجيشُ الأمريكي لبعض المقربين إليه في العراق، ويقوم هؤلاء المقربون بالتجارة فيها وبيعها على العراقيين، بأرباح تفوق الخيال، فهل يجوز التعامل مع هذه الأموال التي خلفها المحتل؟. أقول: إنَّ الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى وقفةِ تأملٍ وإلى تأصيلٍ شرعيٍّ مُتَأَنٍ، حتى لا تكون الإجابةُ انفعاليةً، تدفعها العواطف والرغبات، فشرعُ الله يقوم على الحجة والبرهان والدليل، وأنَّ أموال العدوِّ المحتل، تُعدُّ أموالا عراقية عامة لكل العراقيين،من دون أن يستأثر بها فرد دون آخر، وذلك للأسباب الآتية:
1- إن هذه الأموال التي استخدمها المحتلُّ المحاربُ أكثر من ثمان سنوات، أو خلَّفها وراءه، ستؤخذ من بيت مال العراقيين عاجلا وآجلا، وربما استوفيت مسبقا، بطرق شتى وأساليب متنوعة، وإلا فهل إن أمريكا غزت العراق واحتلته إخلاصا منها لوجه الله تعالى وإكراما للعراقيين؟؟؟ أم هي المصالح والسلب والنهب لثروة العراقيين؟؟؟ الجواب واضح لكلّ ذي بصر وبصيرة، إذن فهي أموال عراقية تعود ملكيتها لجميع العراقيين. 
2- إن من حق العراقيين مقاضاة العدو المحتل، وأخذِ حقوقهم منه واسترداد مَا أتلفه من أموالهم وممتلكاتهم وتعويض ما أزهقه من أرواح أبنائهم، وإن قيام نفر من العراقيين بشراء هذه الأموال وبيعها على المواطنين يعدُّ جريمة شرعية ومخالفة يعاقب عليها صاحبُها عند الله تعالى. 
3- وإذا سلمنا جدلا، لاشرعا، بأن هذه المخلفات من الأموال هي ملك للمحتل، وأنه صرفها من خزينته وأخرجها من جيبه، فإننا مُسْلِمُونَ وننظر إليها من زاوية أخرى، وهي أنها أموالُ محتلٍ، اعتدى على العراق بكل مفاصلهِ: إدارة وجيشا ومؤسسات واقتصادا وتعليما، وبشرا، وأموالا وأعراضا، وخرَّب كل شئ في هذا البلد العريق العامر بأهله النجباء، فالأمريكان انْقَضُّوا على العراق وأهله قادمين من آلاف الكيلو مترات، كما تنقَضُّ الكلابُ على فريستها الغنية باللحوم، والعراقيون لم يذهبوا إلى أمريكا لمحاربتها أو الإساءة إليها، ولم يعتدوا على الأمريكان، ولم يثبت على عراقيٍّ واحدٍ أنَّ له يدا من قريب أوبعيد فيما حدث لأمريكا من كوارث وحوادث. 
4- إذن فأموالُ المحتل أموالُ محاربٍ بدأ بالحرب على العراقيين، والاعتداء عليهم، والعراقيون أناسٌ كانوا آمنين، ولمَّا داهمهم االمحتل الأمريكي دافعوا عن حرماتهم في بلادهم بما استطاعوا من قوة ليدفعوا هذا العدوَّ، وظلمَهُ عنهم، وهذا ما يسميه الفقهاء (جهاد الدفع). 
5- من هذا نخلُصُ إلى أن أموال المحتل تعدُّ غنيمةً من غنائم الحرب، التي عرَّفها الفقهاءُ: بأنها الأموالُ المأخوذةُ من أعداء الإسلام والمسلمين، عن طريق الحرب والقتال، وتشمل الأموال المنقولة والأرض والأسرى، ولا يجوز للمسلمين أن يأخذوا أموال غير المسلمين الذين لم يحاربوا المسلمين؛ لأنَّ الإسلام أمرنا بالمحافظة على أرواحهم وأموالهم مادامو غير محاربين.
  6- وسُميت الغنائمُ في القرآن الكريم بالأنفال؛ لأنها زيادةٌ في أموال المسلمين، وقد أحلَّها الله للأمة الإسلامية من دون غيرها من الأمم التي قبلها؛ تأخذها الأمةُ مقابلَ ما أخذه العدوُّ منها من أرواح وأموال. 
7- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مناديا ينادي بجمع الغنائم التي يخلِّفها العدوُّ بعد هزيمته، فيقسمها أسهما كما أمره الله تعالى بذلك، وكان لايحرم أحدا منها فيوزعها على الرجال والنساء والصبيان والقوي والضعيف، وتزويج العازب، وسدِّ الديون عن المدين، وكان يعطي الفقير كفايته من الغنائم، ويصرف منها في المصالح العامة ما هو مفيد للمسلمين.
  8- لكنه صلى الله عليه وسلم كان يميز المجاهدين والمقاتلين على غيرهم في العطاء؛ لأن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، وكان يعطي للراكب ثلاثة أسهم، له ولنفقات دابته، ويعطي للراجل سهما واحدا، وكان ينهى عن استغلال الغنائم للمصالح الشخصية الفردية، وينهى عن المبالغة في أخذها، والغلول المفرط في استغلال الغنائم قائلا: (فإنه عار وشنار على أهله يوم القيامة) والحديث صحيح أخرجه ابن ماجة. 
9- وفي الغنائم تفصيلات أخرى عند الفقهاء والمحدِّثين والمفسرين، وحسبنا هنا أن نعلم أن مايُخَلِّفه المحتل ينبغي أن يعود إلى بيت المال (خزينة الدولة) فيما إذا كان بيتُ المال منضبطا، بأيدٍ أمينة، أَمَا وأنَّ الأمرين مفقودان في العراق، فلا خزينة منضبطة ولا أيدٍ نظيفة طاهرة أمينة، بل فساد وسرقة وخيانة بفضل الاحتلال وأذنابه. 
10- فإني أرى - بناء على ماتقدم وفي ظلِّ هذا الوضع السئ-، أنَّه لايجوز لأحدٍ أن يشتري هذه الأموال من المحتل المندحر، ويتاجر بها لأنها أموال عامة للعراقيين، يأكلها المتاجر بها سحتا وحراما، لأنه إذا امتنع التجارُ عن التعامل مع هذه الأموال فإن العدوَّ المحتل سيكونُ مضطرا إلى تركها، وبالتالي فهي للمجاهدين الذين أرغموا المحتل على الهروب، وهي أيضا لغيرهم من أبناء الشعب العراقي،
وبذلك يحرم التعامل بها بيعا وشراء، ويجب العمل على إرغام العدوِّ على تركها للعراقيين؛ لأنها ملكهم العام المشروع لهم.
والله أعلم وأحكم

أضف تعليق