عشية الهزيمة العسكرية الأمريكية في العراق وفي ظل التعتيم الإعلامي واستمرار سياسة إعماء الرأي العام الذي يرافق انسحاب قوات الاحتلال تحت جنح الظلام وهي تجر أذيال الخيبة والمذلة وقد منيت بخسائر كارثية مادية وبشرية ، لابد من مراجعة سريعة لمواقف القوى والأحزاب والهيئات والشخصيات الوطنية المناهضة والمقاومة للاحتلال .
لقد مضت ما يقارب من تسع سنوات قاسية على شعبنا الذي قدم تضحيات
جسيمة تلو التضحيات إلى أن تتوجت بهذا النصر العسكري الذي يعد الصفحة الأولى من النصر النهائي لاستعادة سيادة واستقلال هوية العراق ، ولم يكن هذا الانجاز الإنساني التاريخي ليكون على اعتى قوة عسكرية عرفها التاريخ لو لم تكن مقاومة هذا الشعب بمستوى هذا النصر, مقاومة حوصرت وتم تجاهلها من الأقرباء والأصدقاء قبل الأعداء . سنين كانت بمثابة غربال للعراقيين وهاهي تمضي لتضع إكليل الشرف الأبدي على رؤوس الشهداء والأسرى وتمتحن صبر ومطاولة من بقي من أحرار العراق وثباتهم على مواصلة طريق الحق الذي يصفه الإمام علي بالوحشة لقلة سالكيه ، بعد أن تساقط في وحل العمالة من تساقط وأستسلم من أستسلم وخان القضية وباعها من خان وهرب وسط الطريق من تخاذل وهرب .
كثيرة هي العناوين التي انبرت بعد الاحتلال للتصدي لمشروع الاحتلال ولكن قليلة هي تلك التي حافظت على ثبات موقفها واستمراريتها وسداد بوصلتها وعدم انحرافها عن خط الشروع في الحفاظ على ثوابت الشعب العراقي وحقوقه الأساسية وعدم المساومة عليها رغم الثمن الباهظ الذي دفعته جراء هذا الإصرار لتتوالى عليها الطعنات من الصديق قبل العدو وكانت بذلك كمن يقبض على جمر قضيته .
إنبثقت هيئة علماء المسلمين في ظل فراغ سياسي ووطني هائل على الساحة العراقية في ظل تواري القوى التقليدية وحرصت منذ تأسيسها بتاريخ 14 نيسان 2003على إضفاء الصفة الوطنية وليس المذهبية والطائفية على سلوكها ومواقفها قبل خطابها بخلاف قوى الإسلام السياسي بشقيه المتطرف والمنبطح الذي وقع في فخ الطائفية وترافق وخدم مخططات تكريس مشروع الاحتلال .
تكمن قوة هيئة علماء المسلمين وفاعليتها من وجهة نظرنا في العناصر التالية :
أولا – إنها تتمسك بإيمان ثابت لا يتزعزع بقضية العراق العادلة ولم تساوم عليها في كافة مراحل الصراع رغم التضحيات والظروف والضغوطات المحلية والإقليمية والدولية .
ثانيا – أقترن خطاب الهيئة الوطني بفعل المقاومة الميداني الأمر الذي أكسبها مصداقية عالية مقارنة ببقية القوى الأخرى المنافسة على الساحة .
ثالثا – ساهمت مع بقية القوى الأخرى في قدح زناد المقاومة العراقية الوطنية المسلحة وانطلاق عملياتها على بقعة واسعة من الأرض العراقية لاسيما دورها الفاعل في قيادة معارك ملحمة الفلوجة الأولى .
رابعا – إذا كان تصنيف فاعلية أي قوة يتم بدلالة تأثيرها السياسي أو الإعلامي او العسكري فإن الهيئة قد امتلكت جميع أذرع هذا التأثير سواء في شقه السياسي الإرشادي أو العسكري الميداني أو الإعلامي .
خامسا – تخلت منذ البداية عن أية أطماع في السلطة وحصرت عملها في كيفية إرشاد الشعب العراقي في مقاومة الاحتلال في ظل لوحة شديدة الاضطراب عاشها العراق عقب الاحتلال ، مما أضفى على عملها خاصية التضحية بعيدا عن الأهواء والمصالح والصفقات واكسبها قوة في التعامل أو التفاوض مع الآخرين .
سادسا – كان لها الفضل الأول مع قوى أخرى وشخصيات وطنية في إعلان أول مشروع سياسي للمقاومة في المحافل العربية والدولية وذلك في مؤتمر الوفاق الذي عقدته الجامعة العربية في القاهرة أواخر 2005 وفكت بذلك الحصار لأول مرة عن مشروع المقاومة وأطلقته لينتقل من مشروع محلي محاصر بصفة المذهبية إلى فضاء عربي ودولي .
سابعا – نقاء معظم قياداته وتحملهم الكثير من التضحيات والحصار ومحاولة كثير من القوى والجهات المشبوهة النيل منهم ومن ثباتهم وصمودهم بوجه مخططات الاحتلال .
ثامنا– الرمزية العالية والهيبة والسمعة الطيبة والثقل الإقليمي الذي يتمتع به زعيم الهيئة الشيخ الدكتور حارث الضاري كونه من عائلة عرفت بعدائها العميق ومقاومتها وتضحياتها سواء في ظل الاحتلال البريطاني السابق أو الغزو الأمريكي اللاحق .
تاسعا – امتلاكها لذراع إعلامي مقاوم للاحتلال الأمريكي في ظل معطيات تكنولوجية ومعلوماتية يعد فيها الإعلام سلاح في المعركة لا يقل عن بقية الأسلحة الفتاكة .
عاشرا – تكاد هيئة علماء المسلمين الجهة الوحيدة في ضفة الحركة الوطنية العراقية التي توثق بشكل منهجي ومدروس جميع جرائم الاحتلال مما سيشكل في المستقبل ذخيرة لأجيال العراق القادمة للمطالبة بحقوق الشعب العراقي من إدارة الاحتلال أو المتعاونين معه .
صفوة ما سبق ، فإنه يمكن القول إن على عاتق هيئة علماء المسلمين رغم كل إنجازاتها ومواقفها المشرفة تقع مسؤولية كبيرة في مواصلة الطريق رغم الصعاب والحصار ، وإن عليها استكمال مقومات النصر النهائي بالتعاون مع بقية ركائز الحركة الوطنية والقومية من قوى وفصائل وأحزاب وشخصيات ثابتة ، ومد مزيد من الجسور وفتح مزيد من القنوات مع بقية القوى الرئيسية والتسامي على الجروح وتغليب التناقض الرئيسي مع العدو على التناقضات الفرعية بهدف صياغة مكافئ سياسي بديل لعملية الاحتلال السياسية يعمل وفق إستراتيجية طويلة الأمد متعددة الجوانب والأبعاد لغرض تصفية آثار الاحتلال وإنهاء صفحته السياسية الباقية ، مكافئ سياسي وطني ينتظره الجميع في ظل هزيمة الاحتلال وفي ظل معطيات جديدة على منضدة الرمل العراقية لعل في مقدمتها عودة وعي شعبنا وثورة شبابه المتصاعدة والواعدة التي هي في أمس الحاجة في ظل الظروف الحالية لمثل هذه الولادة التاريخية ،" لقد انتهت مصاعب الجبال وبدأت مصاعب السهول ".
18/ ك2 / 2011
الهيئة نت
هيئة علماء المسلمين ودورها الوطني في مقاومة الاحتلال الأمريكي..... د. خالد المعيني
