إذا ربط جميع المراقبين والمحللين بين مشهد اقتحام طلبة إيرانيين للسفارة البريطانية بطهران، بمشهد مشابه كانت ساحته السفارة الأمريكية عام 1979،
بعد انتصار الثورة الإيرانية، فإن تفاصيل قصة هامة سرعان ما تطفو إلى الواجهة، وساحة أحداثها المثيرة امتدت من وسط بغداد إلى الأراضي الإيرانية.
وإذ حشد الأمريكيون قوة من المظليين لإنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران وباءت تلك العملية بالفشل في القصة الشهيرة، فإن بريطانيا فشلت في إنقاذ رعاياها، رغم معرفتهم التفصيلية بالجهة التي نفذت اختطافهم، وفي تفاصيل القصة التي ما زالت تحمل الكثير من الغموض وتثير أسئلة عديدة، فقد شهد يوم شديد الحرارة هو29 من مايو/ أيار 2007" اختطاف خمسة بريطانيين من وسط العاصمة العراقية، وبينما كان خبير الحاسوب "بيتر مور وأربعة من حراسه" يتواجد في إحدى دوائر وزارة المالية، التي يتزعمها في ذلك الوقت بيان جبر ويرأس الحكومة نوري المالكي، وكان الخبير مور مكلفا بتدريب العراقيين على برنامج محاسبي لرصد أي نوع من السرقات في ميزانية العراق، وإذا بعشرات السيارات التي تقل رجال أمن عراقيين يقتحمون المكان الذي يقع قرب شارع فلسطين بجانب الرصافة من بغداد، وينفذون اعتقال الخبير البريطاني الكبير وحراسه.
وهنا أنقل تفاصيل أوردتها صحيفة الجارديان البريطانية في تحقيق مصور بثته وسائل الإعلام العالمية. تقول الصحيفة: إن ضابطا في المخابرات العراقية نقل تفاصيل هائلة عن الحادث الخطير، إذ صادف وجود فريق المخابرات في مهمة مراقبة قرب مصرف الرافدين فرع شارع فلسطين، الذي يقع على بعد عشرين مترا من مكان اعتقال البريطانيين، وبسبب حساسية الحادث ومكانة الخبراء، فقد راقب فريق المخابرات خط سير العجلات الأمنية التي اختطفت البريطانيين، يقول إنهم اتجهوا بهم إلى شرق العاصمة العراقية، وفي منطقة الحسينية الواقعة شرق بغداد باتجاه ديالى تم إنزال البريطانيين، وأدخلوهم في أحد المباني وبعد فترة قصيرة أخرجوهم وقد تم تغيير ملابسهم، ووضعوهم في صناديق السيارات، وتحركت القوة الأمنية باتجاه منطقة زرباطية القريبة من الحدود الإيرانية، وفي منطقة بعيدة تم استبدال الفريق بآخر كان ينتظر هناك مع رتل من السيارات، وبسبب خطورة المنطقة فقد انتهت رحلة مراقبة رجال جهاز المخابرات إلى ذلك المكان، وقد أعاد فريق صحفي تابع للجارديان السير في تلك الطرق وتم تصويرها فيديويا، وعندما سألوا فلاحين في تلك المناطق ذكروا أن السيارات التي تحركت في ذلك اليوم اتجهت إلى الحدود الإيرانية.
إلى هنا القصة قد تبدو طبيعية في بلد مثل العراق يعيش فوضى عارمة، إلا أن المثير للأمر، أن البريطانيين علموا أن الحكومة العراقية على معرفة تفصيلية بالفريق الذي نفذ عملية الاختطاف، وأن البريطانيين قد نقلوا إلى داخل إيران، وبعد ذلك تم قتل ثلاثة من الحراس، فيما سلموا الخبير البريطاني في صفقة شهيرة نهاية عام 2009.
وبدون شك أن هذه النهاية لقصة تراجيدية لم تغلق صفحاتها مثل نهايات الأفلام، وتبقى الأسئلة التي لم تجب عليها الحكومة البريطانية تدور في حيز صمتها، على الذين اختطفوا رعاياهم وقتلوا البعض وما زال مصير الخامس مجهولا.
قال البعض إن لندن ستفتح الملف الخطير بعد انسحاب كامل للقوات الأمريكية من العراق، وها هي القوات تهرول، ويقول البعض إن البريطانيين لن يتطرقوا إلى الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، إلا أن الصدام الأخير الذي نفذه الطلبة في طهران، وموقف لندن المتشدد من البرنامج النووي الإيراني، يفتح الباب أمام البريطانيين لقضية اختطاف وقتل البريطانيين، وبالتأكيد أن هذا الملف سيشمل جميع المسؤولين العراقيين الضالعين في هذه الحادثة الخطيرة.
بالتأكيد أن أهالي الضحايا لن يصمتوا على ما حصل لأبنائهم، كما أن وسائل الإعلام البريطانية والمنظمات الحقوقية ستفجر هذه القضية، وربما تساهم أحداث الهجوم على السفارة البريطانية وسط طهران في ذلك، إضافة إلى مسلسل العقوبات الذي يتم فرضه ضد إيران.
وفي جميع الأحوال فإن إغلاق البريطانيين لهذا الملف في النتائج الذي هو عليه، يمثل سابقة خطيرة في تاريخ بريطانيا، كما أنه يمثل أعلى درجات الخنوع الذي يتم تسجيله في تاريخ الإمبراطورية التي قيل سابقا "لا تغيب عنها الشمس"!!.
... صحيفة الوطن العمانية
إيران وبريطانيا في العراق.. قصة تراجيدية!... وليد الزبيدي
