هيئة علماء المسلمين في العراق

الحالة العراقية بين الواقع والطموح.. كاظم محمد
الحالة العراقية بين الواقع والطموح.. كاظم محمد الحالة العراقية بين الواقع والطموح.. كاظم محمد

الحالة العراقية بين الواقع والطموح.. كاظم محمد

اذا كنا نقول، والوقائع العسكرية والسياسية تؤكد ذلك، بأن فشل المحافظين الجدد، وفي مقدمتهم ادارة الحرب الامريكية في العراق تكتيكيا امر لا يحتاج العناء الكثير لاثباته، فإن هذا لا يعني باي حال الهزيمة السياسية والعسكرية الكاملة للمشروع الامريكي إستراتيجيا، وان المبالغة بوصف الانتكاسة الامريكية في الميدان العراقي على اساس من الهزيمة الشاملة هو تجني مخالف للحقيقة الموضوعية على ارض الواقع. ان المشهد العراقي المتواصل والمتصاعد في دمويته منذ ما يقارب الثلاث سنوات ولحد يومنا هذا والذي يتوج يومياً بافعال شنيعة، يشير بوضوح إلى نجاح المحتل والمتعاونين معه من العراقيين في تجاوز الكثير من اعراض محنهم والالتفاف على العقد المزمنة بالهروب المستمر الى الامام، نحو الافلات المتتالي من اطباق وتواصل الفشل التكتيكي كي لا ياخذ مداه في تعميق مأزقهم السياسي والعسكري وذلك بالمراهنة القوية والمتشعبة على البدائل والمصدات التي  تجنب الادارة الامريكية الهزيمة الاستراتيجية غير المتوقعة والمستحيلة في الحسابات والممكنات الامتصاصية الامريكية!!.

فإذا  كان قصف المدن وتدميرها والقيام بالعمليات الواسعة للقضاء على المقاومة المسلحة قد فشل في تحقيق الهدف المنشود،  فإن خلط الاوراق لإضفاء صفة الارهاب بالمقاومة الوطنية الباسلة، قد فعل فعلهُ في اوساط ليست بالقليلة من الفئات الشعبية، والذي يبغي حسر التأييد الشعبي عن المقاومة وعزلها وطنياً واجتماعياً، والذي تناغم وتوافق مع اهداف الطائفيين والانفصاليين، وان اغراق العراق بدماء ابنائه وضرب النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية وتفسيخ الحركة الشعبية وتكريس الدفع الطائفي بعناوينه المختلفة لتيارات وقوى تتظلل بالمظلة الطائفية، قد جرّ الساحة العراقية الى استقطاباتٍ حادة تنذر - بالترافق مع انسداد افق مشاريع الاحتلال السياسية - تنذر بعنف اهلي متصاعد، يُدفع به وصولا الى الحرب الاهلية، وهو احد بدائل ومخارج الاحتلال في التفكيك والتقسيم لتجنب الهزيمة الشاملة لمشروعه، وهو في الوقت نفسه يسمح  بإعادة تجميع الاوراق من جديد ليعاد ترتيبها  بما يضمن استمرار ادارة المحتل في الامساك بكل الخيوط السياسية للخارطة الجديدة، والذي بدوره يضعف الى حدٍ كبير المقومات الضرورية للتحالف الوطني الواسع المناهض والمقاوم للاحتلال واهدافه التكتيكية والبعيدة، وكذلك لأهداف ومرامي ومطامح المتعاونين معه.

الوطنية البرمائية

كون (العملية السياسية) للمحتل هي اطارا سياسيا يهدف فيما يهدف اليه إلى شرعنة وتكريس للنظام السياسي الجديد (ولدولة الاحتلال الحديثة)، فإن هذه العملية لبّت واستجابت للاهداف السياسية للقوى المتعاونة مع الاحتلال، وخاصة تلك القوى التي دخلت مع المحتل وهي تحمل معها ارتدادها السياسي والوطني.

كذلك فان قوى وتيارات وطنية قد انجرّت ودفعت للمشاركة بالعملية السياسية ودخلت في معمعة المحاصصات وتوزيع المناصب ولعبة الكتل والقوائم والتحالفات ضد هذه الشخصية او تلك او ضد هذه القائمة او تلك، واصبح شغلها الشاغل كيفية حسر وحشر الخصم السياسي في ظل لعبةٍ قد رشدت ادارة الاحتلال قواعدها لكي لا تسمح لأي طرف بتمرير ما يريد دون الدوزنة المطلوبة امريكياً!!.

ففي الوقت الذي لم تجد قوى مثل جبهة الحوار الوطني وجبهة التوافق ضيرا من الدخول والمشاركة السياسية في عمليةٍ رسم المحتل عناوينها واليتها التقنية - وفي ظل اوضاعٍ لا تسمح بتحقيق الحد الوطني الادنى، حيث دلت محطات هذه العملية بمختلف مراحلها على التلاعب والتزوير والترشيد، وكانت تجربة كتابة الدستور، مثالاً صارخاً للاقصاء والاستبعاد والتمرير المفضوح لدستور الفتن والتفكيك، حيث تم استبعاد واهمال الاعتراضات المقدمة من الذين شاركوا عن جبهة الحوار الوطني، خاصة المتعلقة منها بالفدرلة والاقلمة والهوية العراقية - فإن الاستمرار بهذه العملية والمشاركة فيها يعد استمرارا للتراجع واضعافا للجهد الوطني الحقيقي في عدم اضفاء الشرعية على مجمل ما يجري من ترتيباتٍ سياسية غرضها الاساس عرقنة لاحتلال، وخاصة بعد ان دلت كل مؤشرات الاحداث الاخيرة التي تؤكد ان هدف التفكيك والتقسيم هو ما تسعى اليه ادارة الاحتلال وجُلّ المشتركين في عمليته السياسية.

فإذا كانت هناك بعض التبريرات السياسية والميدانية والمقرونة بتأثير مناخ التخندق والمحاصصة، وشيوع حالة الارهاب السلطوي والاحتلالي، للدخول في (العملية السياسية) فإن هذه القوى قد كرست خطواتها التراجعية بمواقف ما بعد الانتخابات بأن ارتضت لنفسها اللعب وفق القواعد التي ارادها زلماي خليل زادة، في الاصطفافات الى جانب  قائمة علاوي من جهة ثم مع التحالف الكردستاني من جهة اخرى ضد قائمة الائتلاف العراقي، اي الدخول في جبهة الرفض الامريكية لمرشح رئاسة الوزراء اضافة الى تصريحات وتحركات ومواقف بعض اقطاب جبهة التوافق من الحزب الاسلامي التي تدخل في باب المغازلة الساذجة لادارة الاحتلال كونها أشّرت لقصر نظرٍ سياسي وضعفٍ في الرؤيا الوطنية لجهة حصر الصراع بالخصم السياسي من قائمة الائتلاف على حساب الثوابت الوطنية الاساسية وعلى حساب الهم الوطني العام بوجود الاحتلال حتى دون محاولة الالتقاء مع بعض اطراف الائتلاف ذات النفس الوطني لتشكيل حزامٍ سياسي يشد ويدفع بالأولويات الوطنية الى ساحة الخصم الوطني بعيدا عن وضع النفس تحت تصرف وجوهٍ كالحةٍ خبرتها الساحة السياسية والمدن المدمرة ودهاليز المنطقة الخضراء!!.

ان هذه المواقف تدخل في سياق انتهازية سياسية ارتضت المشاركة منذ البدء في مجلس الحكم التحاصصي، والتي انساقت وراءها جبهة التوافق العراقية بخطواتٍ تراجعية انعكست في خطابها السياسي وفي اصطفافاتها السياسية التي ساهمت في اضعاف الجهد الوطني وسمحت للمحتل بهامش اوسع  للمناورة، وضيقت من امكانيات ابراز مشروع وطني يستند الى جبهة سياسية واسعة متسلحة ببرنامج معلن متوائم مع المقاومة الوطنية، ويكون اداةً كفاحية وسياسية لعرقلة مشروع الاحتلال واجباره على التراجع.

الوطنية لا تتجزأ ( بين جنة ونار)

ان تجربة الفترة المنصرمة اكدت مرة اخرى على طبيعة وجوهر الصراع الجاري على ارض العراق بين مطلب الاغلبية الساحقة في ازالة الاحتلال واقامة نظام وطني ديمقراطي مستقل وبين مشروع استعماري يستند على مقومات القوة العسكرية وادواتها السياسية العراقية المتعاونة مع المحتل، والذي بدأ بتنفيذ اقذر حلقاته في اثارة الاقتتال الاهلي وصولا للحرب العراقية العراقية، بعد ان كرسوا حدودا وهمية للطوائف والمناطق والاثنيات، وبعد أن احدثوا التصدع الاجتماعي لإسقاط الهوية الوطنية العراقية.

ان رهاننا اليوم على صدق وطنية الكثير من القيادات الدينية والسياسية والشعبية والعشائرية والنخب الاجتماعية في التحرك الفعال والمنسق لإنعاش التلاحم الوطني، وفي العمل على تشكيل التكتل الوطني الواسع من المؤتمر التأسيسي الوطني وهيئة علماء المسلمين والتيار الصدري وفصائل المقاومة، لتكون نواة لمرجعية وطنية تتسع  لكل القوى المناهضة للاحتلال ومريديه من الطائفيين والانفصاليين.

إن النبذ الحقيقي لكل ما يمت الى الطائفية والعرقية والمحاصصة ومعالجة تداعيات عملية تفجير مرقدي الامامين في سامراء، تستدعي اعادة النظر في طروحات القوى التي دخلت (العملية السياسية) على اساس كونها ساحة كفاح ضد الاحتلال ومشاريعه والتخلي عن الاندماج في جوهر اللعبة الاحتلالية، عبر الوقوف بمسافة من اهداف المعمعة الجارية، واحراج الآخرين بطرح البديل الوطني الذي يستند الى الطلب بخروج المحتل كمهمة اولى لجمعيتهم الوطنية، اي وبمختصر القول ((اعتبار ساحة عمليتهم السياسية ساحة مقاومة سياسية غير مغلقةٍ ومقيدةٍ، ويُستسهل الخروج منها متى ما تناقضت مع الثوابت الوطنية)) التي تتطلب مد اواصر التعاون والتنسيق مع التيار الصدري على هذه الاسس وتوسيع جبهة الدعم السياسي والتكامل الوطني بالدخول في تحالفات واضحة ومعلنة مع التيارات والهيئات الرافضة للعملية السياسية تحت سقف الاحتلال.

ان على البعض من الوطنيين العراقيين ان لا يكونوا (واسطة خير) بين المحتل والمقاومة الباسلة، بل متكاملين مع اهداف المقاومة السياسية وداعمين لجهودها العسكرية متنبهين لإغراءات الكراسي والمناصب والمنافع، فطغمة الحرب لا تفهم الا لغة القوة المقاومة المدعومة شعبيا وسياسيا والتي تعمق وتزيد من مأزقها وتجبرها على التفاوض الجدي لخروجها وتأمين حقوق الشعب القانونية والاعتبارية.

لذلك يكتسب حل الاشكالات السياسية بتغليب لغة الوطن على لغة الطائفة، ((وايجاد أطر التعاون الوطني بين رافضي العملية السياسة في ظل الاحتلال والمشاركين فيها من الوطنيين، وتجنب اختزال الحالة العراقية بتداعيات التفجيرات الاخيرة لمرقدي الامامين في سامراء))، والبدء بتشكيل اللجان والهيئات المشتركة الدينية والشعبية لحل التعقيدات الميدانية وفضح وتعرية الجهات التي تقف وراء تعميق الفتنة وجرائم القتل الجماعي والتهجير الاجباري. ان كل ذلك يكتسب اهمية ميدانية قصوى بمواجهة حلول وبدائل ودسائس المحتل الذي لا يتورع عن فعل العجائب في سبيل ابعاد شبح فشله المؤلم في العراق.

ان ما  شهدته الايام الماضية لهو خير دليل على الامكانيات الهائلة التي تمتلكها العديد من القيادات الوطنية في كبح دوافع الفتن التي يسعرها المحتل والطائفيين من العراقيين، ودللت تطورات الايام الاخيرة في الوقت نفسه على قدرتها في بث الحماسة وسط الشارع السياسي على الرغم من تهالكه لطغيان الخطاب السياسي الطائفي عليه.

لقد كان لمواقف العديد من فصائل المقاومة المجاهدة بإدانتها لتفجير قبة الامام الهادي، تاكيد اخر على رفض الانجرار لمخططات المحتل والطائفيين، واعلان مستمر بمقارعة المحتل واجباره على الرحيل.

اذا كان مجلس الأمن الدولي لا زال اسير الرؤية الامريكية للوضع العراقي، واذا كانت جامعة الدول العربية بحكم الضغط الامريكي لم يكن تحركها يخرج عن اطار احداثيات العملية السياسية التي يقودها المحتل نفسه، فإن كل ذلك لا يلغي التحرك والعمل ((على تشكيل هيئة طوارئ وطنية)) تأخذ على عاتقها السعي باتجاه هذه المنظمات والدول المؤثرة للدعوة لتشكيل حكومة انقاذ وطني مدعومة دولياً تهيأ لخطوات سياسية لاعادة ترتيب البيت العراقي على اساس عدم الفصل بين موضوعة الاحتلال وواقع الازمة الطاحنة التي يعيشها العراق كبند جوهري يتجاوز المفهوم الشكلي للمصالحة الوطنية ويتجاوز عملية المحتل السياسية بكل عناوينها.

في ظل المأزق الحالي وحالة الاحتقان، فإن دعوات مثل رسالة جبهة علاوي والتوافق الى اشرف قاضي ممثل الامم المتحدة في بغداد وكذلك الدعوة الامريكية لعقد مؤتمر لقوى (العملية السياسية) المختلفة على التحاصص خارج العراق الذي ربما تحضره اطراف عربية ودولية، لا يزيد الوضع إلا سوءا ولا يخرج عن اطار البديل الامريكي المرفوض اصلا. 

كنعان النشرة الإلكترونية
السنة السادسة  -  العدد 807 -  14 آذار/ مارس 2006

أضف تعليق