هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق والخليج ... كيف نتّقي الأسوأ؟... محمد الرميحي
العراق والخليج ... كيف نتّقي الأسوأ؟... محمد الرميحي العراق والخليج ... كيف نتّقي الأسوأ؟...  محمد الرميحي

العراق والخليج ... كيف نتّقي الأسوأ؟... محمد الرميحي

ليس جديداً القول أن «تاريخ العراق الحديث يؤكد لنا أن قواه الاجتماعية/ السياسية لا تريد أن تتعاون، فهي قوى تريد أن تحكم، وتتحكم في الآخر المخالف»... النص السابق قيل في محاضرة قدمها كاتب السطور في ايلول (سبتمبر) 2004 في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة الكويت، ونشرت في كتيب بعد ذلك. واليوم بعد أكثر من عام ونصف العام تقريباً أصبح ذاك التوقع حقيقة يصعب جدالها. كما يصعب على أي متابع معرفة عدد الجثث من العراقيين الذين ذهبوا ضحايا للاغتيال الفئوي/ الطائفي، أنهم بعشرات آلاف، منذ نيسان (ابريل) 2003، كما رصدتهم المؤسسات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان وقد نشرت هذه الأرقام على الملأ، بعض هؤلاء بل القليل منهم تهتم به الصحافة والأعلام العربي والعالمي، كمقتل مراسلي الصحف والقيادات المتقدمة في الشرطة أو السياسيين حيث يسمع العالم عن اغتيالهم، ولكن آلافاً أخرى مؤلفة من المواطنين العراقيين البسطاء تنتهي جثثهم إما أشلاء أو أرقاماً تضاف إلى أرقام سابقة، أو يلقون في نهر دجلة والفرات طعماً للأسماك، ولا احد يسأل.
ثمة ثنائية أصبحت معروفة لتوصيف المشهد العراقي، الأولى أنها «حرب أهلية» مهما أردنا أن نبتعد عن هذه التسمية خجلاً أو رجاء في أفضل الأحوال، والثانية هي أنها تعتمد على «استدعاء الاحتكام إلى السماء لإدارة الاختلاف على الأرض». هذه الثنائية تنذر بخطر داهم ليس للعراق فقط بل لكل المنطقة، على رأسها منطقة الخليج القريبة من العراق، والتي ستكون الضحية الأولى في مثل احتدام هذه الثنائية الخبيثة. الحرب الأهلية يتوسلها القوم عن طريق الاحتكام زوراً إلى السماء، وهما وجهان لعملة واحدة. في كل الحروب الأهلية المعروفة في التاريخ الحديث، يعتقد البعض انه مفوض من «السماء» لتطهير الأرض من «الآخر» المختلف سواء في الدين أو المذهب أو العقيدة السياسية.
ليس جديداً القول أن الاحتراب الشيعي/ السني في العراق وصل إلى مرحلة الخطر الداهم، وهناك شواهد على ما يمكن أن يسمى بـ «التطهير المذهبي» فعدد من العراقيين السنة يتركون منازلهم خوفاً من التصفية في المناطق الشيعية ليستبدلوها في مناطق «سنية» وهكذا يحدث أيضاً مع الشيعة في المناطق السنية. أنها حرب أهلية، مهما حلم السياسيون والمثقفون العراقيون وهم قلة غير مؤثرة اليوم بعكسها. فالاستناد إلى «الطائفة» أو «العرق» في عراق اليوم هو الحقيقة الوحيدة، بعدها بدرجات تأتي حقائق أخرى مثل «الاحتلال» والتوزيع النسبي للطوائف والأعراق، وما يتبعه من نقاط اختلاف.
العواصم العربية وجدت الحل! فهي بين فترة وأخرى تدعو بعض العراقيين لتقريب بين المذهبين، وهي حلول مسكنة أفضل وصف لها أنها «أكاديمية» و»نظرية» أما ما يحصل على الأرض فهو شيء آخر مخالف تماماً لكل قول.
في منتصف عام 2002 نشرت طائفة من «المثقفين» الشيعة بياناً في الصحف الكبرى المنشورة في عالمنا العربي، وكان البيان الموقع من عدد معروف من هؤلاء المثقفين والناشطين يؤكد على «اضطهاد» الحكم القائم وقتها، حكم صدام حسين، للشيعة». بعضنا استنكر هذا البيان، لا بسبب عدم الاعتراف بما حل عليهم من اضطهاد، بل بسبب أن هذا التوجه قد يؤسس إلى فكرة «أن الطائفة الشيعية» هي الوحيدة التي نالها العسف والاضطهاد من ذلك الحكم،مع الاعتراف أنها عانت ربما أكثر من غيرها خاصة في سنوات الحكم الأخيرة، إلا أن الاستنكار المعترف بالمشكلة كان يريد تأكيد أن النظام القادم الجديد يجب أن يُبنى من « العراقيين» كمواطنين، لا منهم «كطوائف». كان ذلك حلماً للقلة، أما على الأرض فقد كان يؤسس منذ تحرير العراق من الطاغية، يؤسس على محاصصة قبيحة غير صحية وغير مبررة.
ليس المقام هنا توزيع اللوم، فقد يقول البعض انه الاحتلال! وقد يقول البعض انه الطيش والصلف السابق تجاه مواطنين احتملوا تضحيات جلّى بسبب انتمائهم لمذهب، وقد يقول البعض انه نقص في الخبرة ونقص خطير في فهم وممارسة السياسية والإدارة للقوى الجديدة. قد يكون كل ذلك صحيحاً، ولكنه ليس تصحيحاً للخطأ التاريخي، اذ لا يفيد اليوم في علاج المشكلة الشاخصة، وهي الاحتراب الطائفي المبني على شره سياسي من جانب، واستدعاء للمقدس لحماية مصالح النخبة من جانب آخر.
ماذا يمكن أن يؤثر تناغم العاملين المؤثرين في العراق وهما «الحرب الأهلية» الطائفية، و»استدعاء السماء للتحكيم في خلافات الأرض» على النسيج الاجتماعي/ السياسي في الخليج، ذلك سؤال لا بد أن تساهم النخبة المهتمة في البحث عن إجابة حوله.
لا يحتاج الأمر إلى الكثير من الذكاء أو عمق البصيرة ليعرف أن ما يحدث في العراق يمكن أن يستغل من البعض للتأثير في مجتمعات الخليج، فقد يشعل ما يحدث اختلافا يبدأ بمناصرة طرف لأنه الأقرب في المذهب، ولا ينتهي إلا ويستدعى الخلاف تدخل عناصر من الخارج إلى الداخل!
هل هذه قراءة متشائمة، قد تكون ذلك، إلا أن العارف بالأمور والمشاهد لما يحدث على الأرض يقرع الجرس بشدة، أن هذا أمر قد يحدث أن لم يتداركه العقلاء في منبته وهو العراق. وأول خطوات تداركه هو الإقرار بإمكانية حصوله، كما هو مشاهد اليوم في بعض عواصم دول الخليج من تحشيد لفظي على الأقل للنصرة، فالنار تحت الرماد، الذي قد يكون بارداً ومحصوراًً اليوم، ولكنه قد يمتد وينتعش.
الحديث عن «حرب أهلية» في العراق أن انتشرت لن تبقى فيه وحده، والمعروف أن هناك قوى سياسية إقليمية نتيجة موقعها المحاصر أو لأسباب ذاتية، قد تساهم في إضرام النار تحت الرماد، بحجج شتى، بعضها «قومي» وبعضها «إسلامي» وبعضها مضاد «للامبريالية»، إلا أن نتيجتها واحدة، هي «فتنة» لا تبقى ولا تذر قرب منابع النفط.
وبالعودة إلى محاضرة 2004 فإن الخيار الأخير الذي ذكر فيها لا يزال قائماً، وهو أن العراقيين بمختلف صفاتهم لم يتعرفوا بعد بأن هزيمة 2003 أمام القوات الأميركية أنها هزيمة «دولة ظالمة» وأي تأسيس لدولة ظالمة جديدة ستبوء بالخسران، والخيار المتاح في مثل هذه الأحداث المرعبة والمشاهدة في العراق اليوم، هو تقسيم العراق لا محالة في ضوء «فكرة الاستحواذ المرضي» الذي تظهره معظم الإطراف السياسية/ الفئوية، وثلاثية الدويلات الجديدة لن تحل المشكلة بل تجعلها عصية ودائمة. أما تأثير مثل هذا السيناريو على دول الخلي فإنه سيكون تأثيراً كارثياً.
الحياة    - 15/03/06//

أضف تعليق