«مخزن تحديد الهوية» هكذا يصف علماء الانثروبولوجيا والسوسيولوجيا المراة، وقاعدتهم في ذلك انها مخزن الذاكرة الجمعية التي تحفظ الهوية. هذه المسلّمة العلمية تطرح اكثر من تأمل واكثر من نتيجة تتعلق بالحراك الكبير الدائر حول موضوع المرأة في الساحة العربية، وخاصة فيما يتعلق بالتدخلات الاجنبية التي تكتسح هذا الحراك.
والتي تقود الى طرح السؤال الخطير: هل كلمة الحق التي يراد بها باطل، في هذا السياق، هي تحويل قضية تحرير المرأة التي تبناها رواد ورائدات النهضة العربية، كرافعة ضرورية لتحرير الامة وارتقائها، الى عملية تحرير اخرى، هي تحرير المخزن المذكور من مكنونه الكبير والعريق، المشكل لمكونات الهوية، وصولا الى حالة تفريغ؟!.
وبما ان الطبيعة لا تتحمل الفراغ فان النتيجة هي امتلاء هذا الخواء تلقائيا بمخزون اخر هجين، ان هو الا مكونات الاغتراب والتغريب ومنظومة قيم الثقافة الاستهلاكية التي لا تهدف الا الى خدمة السوق، وما يلتصق به من هيمنة اجنبية على الوعي الفردي ومن ثم الجمعي، وسيلة للهيمنة المادية الفعلية على الارض وثرواتها، والانسان وطاقاته.
وبتعبير اخر تحويل الفضاء العربي الى منطقة جغرافية بدون «انا» بدون «نحن» بدون روح، باختصار: بدون هوية وصولا الى القاعدة الذهبية في مشروع الهيمنة العولمية - السوقية، والهيمنة الاميركية - الصهيونية، الا وهي قاعدة: التماثل، التنميط وفق نموذج مرسوم غربيا ومحددة ملامحه بدقة بريشة الانتلجنسيا التي لا يمكن ان تغيب عنها اليد الصهيونية عندما يتعلق الامر بالعالم العربي وهويته.
من هنا كان التركيز الكبير في مشروع الشرق الاوسط الجديد، والشرق الاوسط الكبير، على عنصري المراة والشباب؛ لان المطلوب في عملية التغيير هذه، هو نزع الذاكرة التي تحمل ملامح معينة تتعلق بالخصوصية الثقافية، وبمنظومة القيم الخصوصية، وبالمواقف المحددة من التحديات القومية ومن الصراعات المصيرية.
وهذا ما لا يمكن تحقيقه الا عبر المراة بشكل اساس وخاصة انه مما يسهل التاثير في النساء وتوجيههن هو واقع افتقار النساء بشكل عام الى التجربة السياسية بمعناها العريض، ذاك الذي يجعل من السلوك ترجمة لموقف واع ازاء الامة والثقافة والمجتمع، ويشكل القدرة على فرز ما هو ايجابي مما هو اهداف تدميرية مسمومة مغلفة بسم الايجابية، ايجابية حداثة وحرية وهميتين.
وعلى هذا الواقع تعول الدوائر الغربية بما يختبئ في طياتها من قوى استعمارية وصهيونية وقوى سوق، كي تجعل من النساء مطية سهلة تحقق بحماس كبير الاهداف المرسومة. وفي طليعة هذه الاهداف اثنان: نشر الثقافة الاستهلاكية بقيمها التنميطية، ومحو الذاكرة بما فيها من مكونات الهوية لملئها بمكونات اخرى تنسجم مع الشرق الاوسط الجديد.
فاذا كان المفهوم المعاصر للهوية، هو ذلك الذي تجاوز مفاهيم القومية العرقية والدينية التي تبناها الفكر الانساني في القرون الماضية الى مفهوم حضاري هو ان ما يشكل هوية الأمة هو خطها الحضاري المتنامي عبر العصور، فان القول بكون المرأة هي مخزن الهوية يعني امرين خطيرين: اولهما: انها حاضنة الاستمرارية والاصالة، وثانيهما: انها ايضا حاضنة نمو وتطور هذا الخط. فيما يفرز بدوره حتميتين منطقيتين: حتمية التاصيل وحتمية التطوير، وبمعنى اخر: رفض الاغتراب ورفض الجمود.
وهذا ما يوصل الى تحديد لب الدور الاصلاحي التحديثي (الذي ينطبق على جميع المجالات): تقاطع التجذر في الذات مع الانفتاح على الاخر، وبالتالي القدرة على الانتقاء الذكي الواعي الذي يجعل من بعض منجز الاخر وسيلة لاغناء مكونات الهوية وتثبيتها.
كان هذا ما فعله الرواد في مجال تحرير المراة، وكان هذا ما مارسته قوافل النساء المناضلات مندها، ولكن هل هذا ما يريده لنا المشروع الغربي الاستعماري؟! هل يعقل ان يكون من مصلحة هذا المشروع تقدم وتطور اوضاعنا الاجتماعية بحيث تكتسب بنيتنا مزيدا من القوة والمناعة أو ان المطلوب هو الافادة من نقاط ضعفنا السيكولوجي والاجتماعي لتشكيل حاضرنا ومستقبلنا وفق خريطة تنسجم ومصالحه في الهيمنة علينا؟؟!!!.
السبيل الأردنية
أسئلة حول المرأة!.. حياة الحويك
