أعلن قبل أسبوعين في تونس عن الإفراج عن دفعة جديدة من معتقلي الرأي في تونس، ومعظمهم من أعضاء حركة النهضة الإسلامية الذين دخلوا السجون إثر الانقلاب على فوز الحركة في الانتخابات عام 1990، وبالطبع على خلفية دعاية سخيفة تتهمهم بـ\"الإرهاب\"!!.
من الواضح أن ما يجري لا صلة له البتة بروح العفو والتسامح التي غابت عن تونس منذ سبعة عشر عاماً، بقدر صلته بالضغوط الشعبية وبارتفاع وتيرة المعارضة الداخلية.
وفي حين تمكن النظام - عبر مساومات معروفة ذات صلة بالتطبيع مع العدو الصهيوني والتوافق مع الأجندة الأمريكية في المنطقة - من التخفيف من الضغوط الخارجية المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان فإن الداخل التونسي وتبعاً لازدياد حدة القهر من سياسات القمع بحق الجماهير بكل أطيافها، قد غدا أكثر جرأة وتمرداً على وضع لا يحفل بحقوق الإنسان ولا يتورع عن ارتكاب أبشع الممارسات بحق النشطاء السياسيين والنقابيين إلى جانب عسكرة الوضع الداخلي على نحو لم يعد له مثيل في العالم العربي برمته.
في ظل ثورة المعلومات والاتصالات لم يعد بوسع الوضع التونسي أن يبيع على العالم شعارات الديمقراطية فيما هو يمارس أسوأ أنواع الدكتاتورية، وقد لاحظ المعنيون كيف غدا ممثلوه والناطقون باسمه مبتذلون وهم يجدّفون في مواجهة سيل جارف من المعلومات التي تفضح حقائق الوضع الداخلي.
والنتيجة هي أنه لم يعد بوسعه المضي في سياساته القديمة (محاربة التدين والحريات في آن) من دون أن يواجه بالفضيحة في الداخل والخارج لا سيما في ظل واقع جديد يتمثل في بعدين، يتعلق الأول: بموجة التدين التي تنتشر في الساحة العربية والإسلامية التي أخفقت أمامها سياسة تجفيف المنابع التي اعتقد الرسميون أنها نجحت في ضرب الدين في حياة التونسيين، بل كاد العالم الغربي يقر بنجاحها ويوصي بتعميمها على الآخرين!!.
أما الثاني: فيتعلق بارتفاع وتيرة التمرد الداخلي في الوطن العربي حيث بات المواطن العربي أكثر جرأة في التعبير عن مواقفه، وقد حدث ذلك في مواجهة أنظمة ليست لها معارضة خارجية، فكيف بنظام له مثل تلك المعارضة من السجناء السابقين والمنفيين الذين يتوزعون على العواصم الغربية ويسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى فضح ممارساته على مختلف الأصعدة.
ما من شك في أن توحد قوى المعارضة ورموزها بأطيافهم كافة حول قضية الحريات قد أذهل المسؤولين الذين سبق أن استخدموا العديد منها ضد حركة النهضة خلال التسعينيات، فيما تبين لهؤلاء أن هذه السياسة ما لبثت أن أتت على كل مناخ الحريات في البلد برمته.
ضمن هذه الأجواء توالت وجبات الإفراج عن المعتقلين، ومن ضمنها هذه الوجبة، لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن ما يقرب من 400 سجين رأي، معظمهم من النهضة ما زالوا معتقلين، أما المفرج عنهم، فقد قضى بعضهم مدة اعتقاله التي بلغت 16 عاماً في سجون انفرادية، وفي أوضاع بالغة السوء!!.
لقد بات واضحاً أن الوضع التونسي لم يعد قادراً على مواجهة تيار التحرر الذي يتحرك في العالم العربي حتى لو ملك الدعم الخارجي الذي أخذ يتحسس من الإسلاميين، وستزداد حساسيته مع الوقت تبعاً للانتصارات التي حققوها خلال المرحلة الأخيرة.
بقي أن نبارك للرجال المفرج عنهم في تونس حريتهم، وعلى رأسهم المناضل الكبير حمادي الجبالي، رئيس تحرير صحيفة الفجر، سائلين المولى عز وجل أن يمن على من تبقى منهم، ومعهم جحافل من إخوانهم في فلسطين والعراق وسجون لا تحصى في هذا العالم ما زالت تزدحم بالأبرياء والمجاهدين من أجل الحرية والعدالة والقيم النبيلة.
كما نبارك أيضاً لإخوانهم المفرج عنهم من السجون الليبية آملين أن يكون ذلك عنواناً لتغيير ما في معادلة الحريات في ليبيا مع ان الأمر لا يبدو كذلك، والسبب هو ذات المعادلة التي يعمل عليها الوضع التونسي، أي التنازل للخارج مقابل تكريس القمع في الداخل!!.
السبيل الأردنية
تونس.. ما زال في السجن رجال.. ياسر الزعاترة
