العراق بيتنا الكبير، وسكانه أسرة واحدة، منذ فجر التاريخ، وقد تعلمنا من قرآننا الكريم أن المجتمع الفاضل دار واحدة، وان المجتمع الساقط في مهاوي الرذيلة دار أخرى،
كما في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] ، وقوله: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] ، وقوله: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65] ، وغيرها من الآيات كثير، أما كون جماعة كبرى من البشر تسمى أسرة فهذا حكم العرب وذوقهم ولسانهم، وفي الشعر ديوانهم ما يبين ذلك، كقول القائل:
نزلنا على قيسيّة يمنيّة لها نسب في الصالحين هِجانِ
فقالت -وأرخت جانب الستر دونها- : لأية أرض ؟ أمْ من الرجلانِ؟
فقلت لها: أما رفيقي فقومه تميم، وأما أسرتي فيماني
رفيقانِ شتّى ألّف الدهر بيننا وقد يلتقي الشتّى فيأتلِفانِ
محل الشاهد قوله: وأما أسرتي فيماني، فهو إما يشير إلى اليمن، البلد المعروف، أو إلى العرب القحطانيين عموما لأنهم من اليمن، ونحن نستدل بكلام العرب على أن الشعب العراقي أسرة واحدة.
ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن الفدرلة والأقلمة قطع لرحم العراق، ولا سيما في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به، ولا يدخل الجنة قاطع رحم، ونعتقد أن قرار ما يسمى (مجلس محافظة صلاح الدين) تحويل المحافظة إلى إقليم، يعد سابقة خطيرة، وسنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وإننا نجد لزاما علينا رد شبهات دعاة الفدرلة والأقلمة ، وتفنيد أدلتهم، وهي:
الشبهة الأولى: الزعم أن الهرولة إلى العمل بالنظام الاتحادي (الفدرالي) كان بهدف الحصول على مخصصات مالية، وصلاحيات أوسع، وهي كذبة كبرى؛ لأن الدستور الحالي ينص على أن المخصصات المالية توزع على المحافظات بحسب نسب السكان، ولم يأخذ الفدرالية والأقاليم بنظر الاعتبار، ولو وظف نصف أو ثلث أو ربع الميزانية الحالية المخصصة لمحافظة ما، ضمن خطة اقتصادية وتنموية محكمة، وسلمت من السرقة والاختلاس والنهب، لكانت هذه المحافظة مثل إحدى المدن في أوربا، أما فرية الصلاحيات فهي شبهة أوهى من بيت العنكبوت؛ لأن قانون مجالس المحافظات، رقم (21) لعام 2008 م منح المحافظات صلاحيات تفوق صلاحيات كل الفدراليات والأقاليم، وذلك لأنه أعلن تطبيق نظام إدارة لا مركزية، فوق النظام الاتحادي (الفدرالي) ، ودون الدولة المستقلة، واخطر ما فيه انه يبذر بذور الانفصال؛ ولهذا يمكن تسميته: قانون الدويلات الثماني عشرة –تحت التأسيس- .
ومن يطالع قانون مجالس المحافظات يجده يؤسس لسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في المحافظات، ويمنحها صلاحيات كبرى، واختصاصات واسعة، إلا أن تلك المجالس تفتقر إلى أهل الكفاءة والأمانة، الذين يستعملون هذه الصلاحيات، ويمارسون تلك الاختصاصات.
وهذا يعني أن تحويل محافظة ما إلى إقليم هو مجرد تغيير بالاسم، وليس تغييرا في الواقع والحقيقة، فالإقليم تقسيم إداري معمول به في دول ذات نظم مركزية وأخرى لا مركزية، ففي الأردن الإقليم هو التقسيم الإداري الأولي، ويقسم إلى محافظات، وفي المغرب الإقليم هو التقسيم الإداري الثانوي، حيث يتبع جهة، ويقسم بدوره إلى مقاطعات، وفي الجزائر الولاية هي التقسيم الإداري الأولي، وتقسّم إلى دوائر، وهذه الأخيرة تقسّم بدورها إلى بلديات.
وهكذا فإن قرار تحويل محافظة صلاح الدين إلى إقليم هو بحد ذاته قرار شكلي، لكن ثمة عوامل أخرى، وجو ملبد بالغيوم السوداء من التآمر الدولي والإقليمي يجعل من القرار معولا لهدم العراق.
وثاني شبهاتهم القياس، أي قياس العراق على دول أخرى تطبق النظام الاتحادي (الفدرالي) كالولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، وهو قياس فاسد؛ لأن لهذه الدول ظروفا مختلفة، وهي في الأصل دولتان أو أكثر دخلت في اتحاد، فكان الأنسب لها هو تطبيق هذا النظام، وقد حددت مراجع سياسية وقانونية مفهوم النظام الاتحادي (الفدرالي) بأنه ينشأ عندما تتحد دولتان أو أكثر، أما العراق فهو دولة واحدة منذ أقدم العصور، وجزء من أمته، وهو ليس دولا متعددة دخلت في اتحاد لتطبق النظام الاتحادي (الفدرالي) .
وثالث الشبهات استنساخ تجربة إقليم كردستان، والواقع أن كردستان ليس إقليما إنما هو دويلتان: دويلة أربيل، ودويلة السليمانية، وبينها من التنافس والعداوة والبغضاء والاحتراب والدماء ما بينها، لكن السيد الأمريكي بسط جناحه عليهما، وفرض عليهما التعايش، كل في محافظته، ورسم الحدود بينهما، حدود الإدارة والعلاقات، فمن تعدى حدوده يحلل عليه غضبه، كما جرى في آب عام 1998 م عندما تخلى عنهم السيد الأمريكي (يوما او بعض يوم) فتوغلت كتيبة من القوات الخاصة، مع لواء مدرّع من الجيش العراقي في صيف العام 1996م لتستولي على مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان في سويعات، وتقتل وتعتقل أزلام ما كانت تعرف بالمعارضة العراقية، والذين تركهم السيد الأمريكي يواجهون مصيرهم المحتوم، وهذه هي أمريكا لا يؤمن جانبها، وهذا هو إقليم كردستان الذي تدير شؤونه أمريكا بشكل غير مباشر، لم يستطع الدفاع عن تجربته، أو إنقاذ حلفائه في المعارضة، وضاقت بهم الأرض بمجرد سماع اسم الجيش العراقي حينئذ.
ورابع الشبهات هو طائفية الحكومة المركزية، والحق أن هذه الحكومة ممثلية للاحتلال وليست ممثلية لطائفة بعينها، بل هي عدو لدود لكافة طوائف الشعب العراقي؛ وإن لعبت بورقة الطائفية زمنا، ولهذا فإن التوصيف الدقيق لها هو أنها (حكومة تابعة) ، ومثل ذلك يقال عن حكومات كردستان، فهي أيضا ممثليات لقوى الهيمنة، وليست ممثليات لقومية بعينها، وقد عانت المحافظات في وسط وجنوب العراق كما في شماله من ديكتاتورية الأحزاب وميلشياتها المتاجرة بالطائفية والعرقية، والطائفة والعرق منهم براء، فمدينة طيبة مثل النجف أو كربلاء أو أربيل أو السليمانية تنتشر فيها مقرات الأحزاب وميلشياتها، هل يستطيع المواطن فيها أن يعترض، أو مجرد أن ينبس ببنت شفة؟! اللهم لا !! بل إنها تتطلع إلى تحريرها من ديكتاتورية الجماعة، التي لا تقل شرا عن ديكتاتورية الفرد.
فمن يلحق الأذى بالمكون إذن هو من يتاجر باسمه، والحكم ينسحب على محافظات غرب العراق، فمن ضيق على أهلها، وأراق دمائهم، واكل أموالهم، وعمد إلى تشويه صورة مقاومتهم الباسلة، أسرع وأقوى وأعظم مقاومة في التاريخ، إنما هم ناس من مكونهم، لا من المكونات الأخرى، وهم المتطرفون والحثالة، أما المتطرفون دينيا فقد رفعوا شعار الجهاد زورا وبهتانا، وأما الحثالة من الناس فهرولوا إلى الأجهزة الأمنية، وانخرطوا في الصحوات ومجالس الإسناد وفرس دولة اللا قانون، وغيرها.
ولنقلها صريحة: إن الأرواح التي أزهقت في الفلوجة، أو الرمادي، أو تكريت، أو سامراء، أو هبهب، أو الحويجة، أو الموصل، وغيرها من مدن غرب العراق إنما راحت ضحية حرب ضروس، طرفاها: المتطرفون والحثالة.
وخامس الشبهات أن تطبيق الفدرالية إنما يأتي للحيلولة دون قيام نظام استبدادي، يحكم بقبضة حديدية، ويرسل أجهزته القمعية لتعيث فسادا في العاصمة والمحافظات الأخرى، وتدهم البيوت، وتعتقل الأبرياء، وتزج بهم في السجون المظلمة، وتعرضهم للتعذيب، وتبتزهم، أو تغتالهم، وهي شبهة واهية؛ لأن من أعتى الأنظمة الشمولية أنظمة اتحادية (فدرالية) منها الاتحاد السوفيتي السابق، ويوغسلافيا السابقة، والديكتاتوريات في العصور الخوالي –في الغالب- اعتمدت نظام الإدارة اللا مركزية، ومنها امبراطورية المغول والتتر.
وسادس الشبهات الادعاء أن لكل دولة الحق في اعتماد أي تقسيم إداري على أرضها بما تراه مناسبًاً، ويخدم المصلحة العامة للوطن والمواطنين، والحق ان كل عاقل في العراق يحذر من مغبة المساس بالنظام الإداري العراقي، وفتح الباب لاستبداله، والتلاعب به؛ لأن أي تغيير فيه ولو كان شكليا مثل هذا القرار قد يؤدي إلى انهيار هذا النظام بأكمله، وأن صرعة أو موضة تغيير النظام الإداري قد تستغل للدعوة إلى إنشاء محافظات على أساس طائفي أو عرقي، مثل الدعوة إلى تشطير محافظة صلاح الدين إلى محافظتين، أو إلغائها وضمها إلى العاصمة بغداد كما كانت من قبل، والتحجج بأنها أحدثت في ظل دولة البعث، أو سلخ مدن منها مثل بلد والدجيل وضمها إلى بغداد، وسلخ الطوز وضمها إلى إقليم كردستان، وكانت البواكير الأولى لذلك مطالبة ما يسمى (رئيس جمهورية العراق) بإعادة ترسيم الحدود بين المحافظات، وفصل مدن بأكملها من محافظات معينة، وإلحاقها بمحافظات أخرى، ومطالبة أعضاء في مجلس النواب الإحتلالي، ينتمون إلى القومية التركمانية بإنشاء محافظتين لقوميتهم في كل من الطوز وتلعفر.
لكننا نثق بالوعي الإسلامي، والشعور القومي، والحس الوطني لأهالي صلاح الدين، فهم مثل سائر أبناء شعبهم ربما يؤمنون بالفدرالية، لكن في إطار حلم الوحدة الشاملة للأمة، فيتحول العراق وحده، أو مع دول أخرى من بلاد المشرق العربي إلى إقليم واحد رائد وقائد لدولة الوحدة، كما كان في العصور الإسلامية الأولى، يوم كانت الكوفة عاصمة للخلافة الراشدة، وبغداد عاصمة للخلافة العباسية، ويدركون أن الفدرالية مولود مسخ لدستور تقسيم العراق، والعملية السياسية الجارية، وان أهالي صلاح الدين، وسائر أبناء الشعب العراقي مطالبون اليوم بالتظاهر لإلغاء هذا الدستور الخاطئ الكاذب، والعملية السياسية المشوهة؛ لأنهما ظل الاحتلال، ولا جدوى من أي انسحاب للاحتلال ما دام برنامجه وأزلامه في العراق.
الأقلمة قطع لرحم العراق – د. ثامر براك الأنصاري
