من المفترض وحسب مزاعم الإدارة الأمريكية أن قوات الاحتلال ستغادر العراق نهاية العام الجاري، وقد يبدو للعيان أنها ستنسحب فعلاً، إلا أن ذلك لا ينهي وجود الاحتلال طالما بقيت مشاريعه على الأرض.
وعن هذه النقطة بالذات قالت هيئة علماء المسلمين ـ وهي أكبر قوة مناهضة للاحتلال ومشاريعه، كما أنها الوحيدة التي تساند المقاومة إعلاميًا وسياسيًا ـ : (التحرير الكامل إنما يكون حين ننتهي تمامًا من بقايا وجود الاحتلال ومشاريعه السياسية والعسكرية وشركاته الأمنية وعناصره للتدريب، وكل التدخلات الخارجية والمشاريع الوافدة)، وذلك تعقيبًا على إعلان الرئيس الأمريكي إنهاء الحرب في العراق في الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وعليه فمن المهم أن نتبين كيف تجري الأحداث على المسرح العراقي بعد هذا الإعلان، لنتأكد أن الاحتلال سوف يبقى إلى أمد أبعد مما نتصوره، سواء بمشاريعه، أو بقوات ألبسها أقنعة وأطلق عليها مسميات خاصة، أو بقواعد عسكرية داخل العراق أو على مقربة منه بحيث لا يحول بين الجنود المتمركزين فيها وبين إعادة الانتشار في محافظات العراق ومدنه المختلفة سوى بضع ساعات .
إن الجميع يدرك جيدًا أن من أولويات الحرب الصليبية على العالم الإسلامي بثوبها المعاصر ـ والاحتلال الأمريكي في العراق أحد أذرعها ـ تقسيم العراق وإضعاف قوته وسلب السيادة من أبنائه وهو ما يمكن أن يؤول إلى فعل مماثل مختلف الأسلوب يشمل المنطقة ككل وفق نظرية ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، ومن سوء حظ بلاد الرافدين أنها ابتليت بشلة من اللصوص الذين تربوا في أحضان العمالة، فتسابقوا في تنفيذ مشاريع التقسيم، وتبادلوا الأدوار، وهيؤوا الأجواء التي تناسب وضع الاحتلال لتجد له مبررات البقاء وزيادة الهيمنة، مثلما طفت مؤخرًا قضية إعلان الأقاليم والمطالبة بالفيدرالية تحت حجج وذرائع شتى، ورغم أننا لسنا في صدد التحقيق لإثبات بطلانها لأن ذلك باد بوضوح، إلا أن الحديث قد يضطرنا إلى تناولها من أحد أطرافها.
أعلن مجلس محافظة صلاح الدين أنه يريد جعل المحافظة إقليمًا (إداريًا واقتصاديًا)، وعزا أسباب ذلك إلى سياسات التهميش والإقصاء التي تمارسها حكومة المالكي، إضافة إلى الاعتقالات التي طالت المئات من أبناء المحافظة، وبالطبع فإن هذه المبررات لا تنسجم مع صفة الإقليم، فالأخير حين يكون اقتصاديًا وإداريًا فإن الملف الأمني سيبقى بيد الحكومة المركزية ـ كما يسمونها ـ ولما كان الأمر كذلك لماذا إذن سارع مجلس المحافظة للإعلان عن طلب تشكيل الإقليم مخالفًا لكل التوقعات التي كانت ترى أن محافظة الأنبار سوف تكون السباقة لهذا المشروع ؟
ثمة سيناريوهان للإجابة عن هذه القضية، وكلاهما ينتهي عند مرجعية واحدة، أعني مشروع تقسم العراق باعتباره مطلبًا احتلالياً في هذه المرحلة.
الأول: إن محافظة صلاح الدين يمكن تحويلها إلى أرضية خصبة لإنشاء صراع طائفي من شأنه أن يفتت وحدة العراق، ويأكل الأخضر واليابس فيه، وخاصة حين ينصب الصراع على مدينة سامراء التي سبق وأن أراد الاحتلال وعملاؤه جعلها شرارة لحرب بين مكونات الشعب العراقي بعد تفجير القبة هناك عام 2006، فكانت هذه الحادثة بمثابة تعبئة ميدانية للميليشيات التي راحت تعيث في الأرض فسادًا، وحين تنشب الصراعات الطائفية ويتدهور على إثرها الوضع الأمني أكثر مما هو متدهور حاليًا؛ يكون بقاء قوات (دولية) في العراق مطلبًا يؤيده الجميع بحجة ملء الفراغ الأمني، ومن هنا فإن الاحتلال الأمريكي سيظفر بفرصة تجدد له البقاء تحت ذرائع (قانونية) وربما يستحصل موافقة مجلس الأمن إذ اقتضى الأمر، وسيكون للأبواق الناعقة (أعني أقطاب العملية السياسية) وقتئذ النصيب الأوفر في التصريحات الإعلامية حول ضرورة بقاء قوات لحفظ الأمن.
وهذا السيناريو وارد الحدوث؛ لأنه يتزامن مع عدم اقتناع العراقيين بفكرة إبقاء المدربين الأمريكيين، فهم جميعًا أدركوا أن بدعة المدربين ليست سوى غطاء لتمديد بقاء قوات الاحتلال التي سبق لعملائها من قبل تمرير اتفاقية الإذعان التي تجيز لهم طلب إبقاء تلك القوات، فلا بد إذن من مبرر (منطقي) يمكن أن يُمرَر دون صخب الجماهير في إطار هذه الاتفاقية سيئة الصيت، فجاءت الخطوة الأولى لإعلان الإقليم في صلاح الدين لتكون ذريعة لخوض صراع طائفي تفتقر محافظة الأنبار للأجواء المهيئة له.
والسيناريو الثاني يقول: إن المشهد لا يعدو كونه أكثر من اتفاق مبرم بين المالكي ومحافظ صلاح الدين (أحمد الجبوري: الذي يفتخر بعمالته أمام وسائل الإعلام) من أجل تأزيم القضية إلى أبعد حد، بحيث سيضغط مجلس المحافظة على الجماهير ليوهمها بأن هذا الطريق هو الحل، فيما يواصل المالكي تعنته مستخدمًا المزيد من الضغط على المحافظة (اعتقالات واجتثاث وتغييرات إدارية) إلى أن يبلغ الحال بأن يكون المجلس على استعداد كامل للتنازل عن بعض ما عندهم بغية إقامة الإقليم، وسيؤول الموضوع إلى عقد صفقة بين المالكي ومجلس المحافظة يجيز لهم فيها إقامة إقليمهم بشرط التخلي عن سامراء وما تليها من مدن ونواح تمتد جنوبًا صوب العاصمة بغداد، وهو ما سيوافق عليه المحافظ (وهو على استعداد حاليًا للموافقة عليه دون أي ضغوط) لأن إقامة الإقليم بالنسبة له ليس سوى صفقة مربحة يحقق يها مكاسب لم يكن يحلم بها من قبل، وسيكون كافيًا له أن يقيم إقليمًا من الأقضية الشمالية للمحافظة وإلحاقه مستقبلاً بكردستان التي تبارك كل هذه الخطوات والإجراءات، باعتبارها أحد ركائز هذا المشروع، بل إن الحزبين الكرديين هما من دفع مجلس صلاح الدين إلى التعجل بإعلان الإقليم، عبر أموال بذلوها ورشى قدموها لأعضاء هذا المجلس الذي صار علمًا من أعلام الفساد في العراق.
وهكذا سوف يحاول أمثالهم من المفسدين الذين سلّم الاحتلال لهم إدارة محافظات أخرى حذو الخطى أنفسها في هذا المشروع، ليكونوا جسرًا تعبر عليه قوات الاحتلال بثوبها الجديد، وليسجل التاريخ وصمة عار أخرى على عملاء العقد الثاني من الألفية الثالثة.
* كاتب عراقي.
نقلاً عن موقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان
أقاليم العراق ومبررات تمديد بقاء قوات الاحتلال .... أ. جهاد بشير*
