قبل ثلاث سنوات كتب الشاعر العراقي المبدع جواد الحطاب قصيدة بعنوان \"رامسفيلد\"، موجهة للولايات المتحدة بكاملها،
ولم يخاطب الحطاب وزير الدفاع الأمريكي في بداية الاحتلال، دونالد رامسفيلد وحده، قال فيها "سنكنسكم كما تكنس العاقر نجس أولاد ضرتها"، وتحقق ما قاله الشاعر، وما أصر عليه العراقيون المناهضون للاحتلال الأمريكي والمقاومون له. ومهما حاول البعض من التخفيف من حجم هزيمة الأمريكيين في العراق، فإن الواقع يكشف مرارة الهزيمة والغصة التي سيعيشها الأمريكيون لعقود.
أعود إلى كلمات الشاعر الحطاب، لنجد في تحليلها وفق المدرسة النفسية، حجم الكراهية العراقية للغزاة، التي صقلها الشاعر بمهارة عالية جدا، فشبه قوات الاحتلال ﺒ"بالنجس"، وهو تشبيه دقيق جدا، فلم يطأوا شبرا من أرض العراق إلا وأصابه الدنس، ولم تسلم بقعة من أرض العراق دون أن يمسها الشر الأمريكي ومنظومة الاحتلال، ومنذ يوم الغزو الأول والغيوم تحوم فوق الرؤوس متخمة بالسواد وتزخ في كل لحظة على رؤوس العراقيين أطنانا من الألم والمعاناة، وتوغل تلك الآلام لتصل دواخل أبناء البلد الأصلاء، وتراكم ذلك بطريقة تصاعدية، حتى تحول إلى جبال من الحقد على الغزاة المجرمين.
ولا أعرف كيف استحضر شيطان الشعر تلك الصورة الشعرية العميقة ليطلقها شاعر عراقي رفض الغزو، كما رفض مغادرة أرض العراق، ليسجل موقفا متقدما علينا جميعا، نحن الذين خطفتنا همجية الواقع اليومي ووحشيته فاخترنا أسهل الطرق وغادرنا بعيدا عن الأرض والناس والمواجهة. وأعترف بأنني في مقدمة الهاربين من المواجهة، ومعي طيف كبير من العراقيين، وجميعنا نفتش يوميا عن أعذار ومسوغات لهذا الهروب، إلا أن التاريخ لن يقبل أيا من أعذارنا، فقد التهبت أرض العراق وأشعل المقاومون الأرض تحت أقدام الأنجاس الغزاة، فقتلوا من قتلوا وأرسلوا جثثهم هامدة ممزقة إلى ولاياتهم الخاسئة البائسة، كما أرسلوا آلاف الرؤوس المخبولة من الذين كانوا هدفا للمقاومين بهجمات شجاعة، فلم يلفظوا أنفاسهم الأخيرة على أرض الفداء والبطولة والشجاعة؛ أرض الرافدين، فنقلهم الغزاة إلى ألمانيا ومن هناك إلى المشافي الأمريكية، وتوزع هؤلاء بين مخبول لا يلوي على شيء، ومعوق يلعن الساعة التي ولد فيها بأمريكا، ليدخل الجيش الذي قالوا قبل عقد من الزمان إنه الجيش الأقوى في الدنيا، والذي لا يمكن لأي قوة في العالم أن تقهره، وهذا الوصف لم يعترض عليه أحد في حينه، واستمرت قناعات الكثيرين بقوة الجيش الأمريكي واستحالة ليِّ ذراعه!
أما الوحيدون الذين رسموا تفاصيل هزيمة أمريكا فهم ثلة من أبناء العراق الذين عقدوا العزم على كنس أمريكا ورمي هيبتها كما ترمى أكياس القمامة، ولم يتوقع مفكر وشاعر وسياسي أن يتحول جنود الجيش الأمريكي إلى مسخرة أمام المقاومين العراقيين الذين واصلوا هجماتهم ضده منذ اليوم الأول للاحتلال، وقطعوا وعدا على مواصلة الحرب طالما بقي جندي وأمريكي واحد على أرض العراق.
وبالعودة إلى قناعة الشاعر الحطاب، فإنه يجمع الحقد العراقي، هذا الحقد الإيجابي لأنه تراكم كرد فعل على إجرام القوات الأمريكية وإهاناتها لأهله وأرضه وتاريخه، وقبل ذلك غزوها لأراضيه، ولم يكن حقدا سلبيا بمعنى الحقد الأسود، فجاء تشبيه جنود الاحتلال بهذه المفردة "النجس"، وإزاحتهم من أرض العراق بطريقة تليق بهم، وبما ارتكبوه من إجرام لا تكفي لسرد لتفاصيلها آلاف الأطنان من المجلدات، تزخر بها ذاكرة العراقيين التي سيورثونها للأجيال القادمة.
العاقر التي تكنس نجس أولاد ضرتها، لا تبقي أثرا له، وتزيحه بكل قسوة وقوة وحرقة.. واستقرأ الشاعر الحطاب دواخل العراقيين ورصد اندفاع المقاومين وإصرار المناوئين للغزاة، فاستنهض شاعريته التي تمخضت عن جبل من الإبداع في أدب المقاومة العراقي.
ابتدأت احتفالية العراقيين منذ اليوم الأول للغزو الأمريكي عام 2003، وصوب المقاومون أسلحتهم نحو الجندي "تيري هيمنجواي الذي سقط قتيلا ظهيرة يوم الخميس 10 أبريل/ نيسان 2003" وأردوه قتيلا وسط بغداد مدينة السلام التي أراد الغزاة تحويلها إلى مدينة الإذلال، وواصل الرجال احتفالية المقاومة، ولم يسجل يوما واحدا تراخي المقاومين أو نكوصهم بل على العكس من ذلك، ازدادت حماستهم وإرادتهم وإصرارهم على إنجاز المهمة بأسرع ما يمكن، وخلال أكثر من ثماني سنوات سطروا ملاحم رائعة تليق بأبناء العراق جميعا، وتخزي الغزاة..
وبينما الرجال يقاتلون ويرسمون الخطط ويطورون من إمكاناتهم، اشتعل الحماس في دواخل العراقيين، فوثقوا من قدرات المقاومين وهذا ما عبر عنه بثقة كبيرة شاعر مبدع، فعاش احتفاليته بطقوسه الخاصة، فأعلن بيان التحرير في وقت مبكر، وأهم فقرات هذا البيان الشعري، أنه جاء واثقا؛ ومناسبة الحديث قرب الاحتفالية الكبرى بيوم الانتشاء العراقي، حيث يهرب آخر أمريكي من أرض العراق- أرض السلام.
صحيفة العرب اونلاين
..وانهزمت أمريكا... وليد الزبيدي...
