الصراع هو قانون العلاقات الدولية كما هو التعاون أيضا. صراع المصالح يتطلب حيازة وسائل القوة، والقوة تصنع في الخارج وليس في داخل حدود الدول.
الدولة تكسب قوتها الذاتية في ساحات الصراع السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي الإقليمية والدولية وليس داخل حدودها، مهما كانت قوتها في الداخل. فهَمَ صانع القرار الايراني هذه الحقيقة جيدا، فبذل كلما في وسعه كي يحوز عليها. وضع نسبة كبيرة من دخله القومي في عملية صنع الخلايا النائمة واليقظة في دول الجوار والجوار الابعد. تاجر بالمذهبية وأشترى بأمواله أتباعا بات عليهم تأييد وتنفيذ سياسته في الكثير من الدول العربية والاسلامية. حاز على أوراق ضغط في لبنان واليمن وفلسطين وسورية، ويحاول أبتلاع العراق الذي مازال يقاوم تدخله. أستأجر جزرا في أريتيريا والدول المجاورة لها لبناء قواعد عسكرية كي تكون الممرات المائية المهمة على مرمى حجر منه. يتفانى في تسريع برامجه العسكرية والمدنية كي يمتلك مقومات القوة الذاتية. فهل بعد كل هذا العمل الاستراتيجي المنظم يمكن أن ينسى النظام الايراني الكلف السياسية التي خسرها في البحرين عندما أبعَدَ التدخل الخليجي خنجره عنها، وهي التي مازال يعتبرها المحافظة الثانية والثلاثين من محافظات جمهوريته الاسلامية؟ وكيف ينام صانع القرار في أيران دون أن يفكر في تسجيل هدف التعادل أن لم يكن الفوز على تلك الخطوة الخليجية، وهو الذي تكاد اصابعه تلمس الكثير من العروش القابعة على ضفة الخليج الثانية، ويستطيع أن يهزها متى ماشاء؟ ولأنه يعلم جيدا بأن السياسة الأمريكية تعمل وفق خطة الاستقرار وعدم الاستقرار للدول. أي أن من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية أن تبقى دولا معينة مستقرة، وكذلك من مصلحتها أيضا أن تبقي دولا أخرى غير مستقرة، ودول الخليج العربي في الأجندة الأمريكية من الساحات التي يجب أن تبقى مستقرة. ولأن السياسة الايرانية اعتمدت منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان سياسة (دعه يصطاد ثم نأكل من فريسته)، فقد تجنبت كيل الصاع صاعين لدول درع الجزيرة في البحرين، وفهمتها على أنها رسالة تحذير أمريكية من تجاوز الخط الاحمر، فتوقفت عن التمادي مقتنعة بجائزتها الكبرى في العراق في الوقت الحالي على الأقل، وشرعت بالتخطيط للرد بالخارطة الجيوسياسية العراقية كي يدفع الآخرون فاتورة التدخل في البحرين. والمفارقة أنها تستخدم الموقف الأمريكي في خطتها هذه وتجيّره لخدمة مصالحها الإستراتيجية في المنطقة.
فالولايات المتحدة تعرف تماما بأن العراق قُـُمرة القيادة في الشرق الاوسط وهي لاتستطيع التخلي عنه، لكن الضغط المقاوم في هذا البلد جرّعها سُم التحول من سياسة الهجوم الى الدفاع، وباتت عاجزة عن القيام بنفس الدور السابق لأسباب اقتصادية وسياسية وعسكرية نتيجة الخسائر التي مُنيت بها. لذلك جنحت الى تغيير طفيف على الخطة الاستراتيجية في العراق، وهي سحب جميع القوات الذي يمكن أن يكون مؤقتا، ثم حرصت على أبراز دور مزعوم للحكومة العراقية في إفشال التمديد للقوات كي تضفي عليها طابع الوطنية والشرعية والندية السياسية، مما دفع حكومة الدمى لاستعراض عضلاتها في حملة الاعتقالات الاخيرة. وكي لايبقى العراق عامل جذب للقوى الأخرى التي تحاول سد الفراغ، فأن الوسيلة الوحيدة لإبعاد بقية الذباب عنه هي نشر الفوضى فيه بما يعيد مشاهد الحرب الأهلية السابقة، وبما يوحي بأن أي تورط للتدخل فيه هو مجازفة كبرى، وأن لا مصالح حقيقية يمكن أن تجنى من هذا المستنقع. وبذلك باتت حالة عدم الاستقرار هي العامل الايجابي الجديد في الاجندة الامريكية لهذا البلد. لكن الايرانيين يعلمون جيدا بأن الفوضى التي مر بها العراق منذ التاسع من نيسان/ابريل في العام 2003 وحتى اليوم، هي التي حققت لهم مصالحهم السياسية الاستراتيجية وليس الاستقرار. وأن استمرار حالة عدم الاستقرار هي التي تحافظ على نفوذهم الاستخباراتي وتزيد من تمدده في كافة الاتجاهات والاوساط. لذلك بات الوضع السياسي والأمني العراقي اليوم ينذر بأنزلاق جديد نحو الهاوية نتيجة تداخل مجال الاضطراب المصنوع أمريكيا وإيرانيا معا، وأن ما نسمعه ونشاهده اليوم من اعتقالات جماعية في كل أنحاء العراق، وسجالات سياسية تناحرية لاأخلاقية بين الجميع، ودعوات انفصالية مغلفة برداء الفدرالية والأقلمة، ونزاعات أدارية بين المحافظات على مايسمى الحدود بينها، وتهديدات عشائرية بالخروج ضد الحكومة المركزية وأسقاطها، هي كلها مظاهر لوحدة الهدف في الخطة الامريكية التي تروم أبعاد الاخرين عن مصالحها في العراق، والخطة الايرانية التي تسعى للاستفادة التامة من حالة الاضطراب لتعزيز نفوذها.
وأن القول بأن أيران لا تسعى الى تفتيت العراق وتحرص على بقائه موحدا كي تبتلعه كله، أنما هو قول لايستند الى أي منطق سياسي علمي، لانها تعلم جيدا بأن الظرف الراهن هو حالة مؤقتة، وأن عدم تقسيمه وتفتيته سيعيده قوة جيوسياسية قد تظهر في وجهها بعد حين وهذا ماتخشاه، لذلك هي تعاونت وتتعاون مع كل من له أجندة سياسية أو أمنية تذهب في أتجاه التفتيت. لكن ذلك ليس معناه أن أيران وحدها من يشجع على قيام فدراليات وأقاليم في العراق، بل أن الامريكان هم أيضا يسعون الى ذلك ويحفزون من له أية هواجس تجاه الدور الايراني للاتجاه بهذا المنحى، بل أنهم شجعوا بعض الدول العربية للأخذ بيد بعض السياسيين العراقيين لإعلان الفدرالية، وأوهموهم بأنهم سيصبحون أمارات خليجية أخرى في العراق، من ناحية الثراء والمشاريع العمرانية. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن يعلن أسامة النجيفي عن دويلات الطائفة المحبطة كما سماها هو أثناء زيارته الى واشنطن من مكتب بايدن. أن زحمة الاجتماعات السياسية لمجالس المحافظات، ولمجالس شيوخ العشائر لدراسة إعلان الأقاليم هذه الأيام، والتي أصبحت أحدى ميزات المرحلة الراهنة، هي أحدى المؤشرات على تفعيل الدور المخابراتي الايراني بعد خسارتهم في البحرين والتي سوف تُعجّل من الاندفاعة الإيرانية لاسترداد الكلف السياسية والاقتصادية والعسكرية التي خسرتها في حرب الثمان سنوات، بعد أن تصبح هي الدولة المركزية الكبرى في المنطقة، ويتحول دعاة الأقاليم الى شراذم ودويلات صغيرة غير قادرة على الوقوف بوجه الابتزاز الإيراني، فيضطرون الى العمل كجيوب تدور في الفلك الايراني ضد المصلحة العربية العليا، وبذلك يتحقق لها تجسير الفجوة بين جغرافيتها والجغرافية السورية الممتدة الى لبنان، كما يتحقق لها أكبر أطلالة على العربية السعودية التي تعتبرها العدو اللدود الاول الذي يأكل من وزنها الاقليمي والدولي، بما لها من ميزات روحية واقتصادية لاتملكها أيران. وبذلك يكون دعاة الاقاليم أول من يحوّل الدور العراقي كبوابة شرقية موصدة بوجه الشر الايراني تجاه الامة، الى ساحة كبرى تلقي منها إيران كُرات اللهب باتجاه الأقطار العربية المجاورة.
لقد أعتاد صانع القرار السياسي الايراني أن يلعب على عامل الوقت بحرفيّة عالية، وأن يماطل فيه كثيرا كي يستفيد من مدياته القصوى في تحقيق أهدافه، وأذا خسر برحيل القوات الامريكية رهائن كانت لديه القدرة على ذبحهم في أي وقت تتهدد فيه مصالحه، فأن عامل الوقت اليوم قد حوّله من مقاول ثانوي الى مقاول رئيسي في العراق، وبات الرهائن ليسوا جنودا أمريكيين لايمكن أن تساوم الولايات المتحدة على حياتهم، بل الرهائن اليوم في العراق دول هي السعودية والكويت والاردن وسورية وباقي أمارات الخليج العربي، التي يمكن أن تهددها أيران عندما تمتد جيوبها من العراق المفدرل والمؤقلم (شيعيا وسنيا وعربيا وكرديا) بأتجاه الجميع. بذلك سيكون الضامن الامريكي لأنظمة الخليج العربي مستعدا للجلوس على طاولة حوار مع الايرانيين لبناء تفاهم جديد كان قد بدأ بين الطرفين منذ غزو أفغانستان. عندها سيقول خامنئي للمفاوض الامريكي، العراق اليوم مجموعة أقاليم أيرانية الرأي والهوى، فلنتفق على هذه الحقيقة أولا ثم نبحث في تقسيم المصالح. وهو نفس المنطق الذي أجاب فيه الخميني على تساؤل عبدالسلام جلود الرجل الثاني في ليبيا سابقا، عندما جاءه مهنئا بنجاح الثورة الإيرانية فسأله (كيف تسمون الخليج العربي الخليج الفارسي) فأجابه الخميني: الخليج حاليا أمريكي فلنحرره أولا ثم نبحث في التسمية .
' باحث سياسي عراقي
صحيفة القدس العربي اللندنية
هل بدأ العراق دفع ثمن التدخل الخليجي في البحرين؟ ...د.مثنى عبد الله
