هيئة علماء المسلمين في العراق

أميركا والعراق وإيران ...عبدالله اسكندر
أميركا والعراق وإيران ...عبدالله اسكندر أميركا والعراق وإيران ...عبدالله اسكندر

أميركا والعراق وإيران ...عبدالله اسكندر

لا يبدو ان الولايات المتحدة «اكتشفت» ان في العراق طوائف وأعراقاً إلا بعدما اصطدمت بالملف النووي الايراني. فاعتبرت ان زيادة النفوذ الايراني في بلاد ما بين النهرين، معززاً بقدرات نووية، يشكل تهديداً على المدى الطويل لمصالحها الاستراتيجية. غزت الولايات المتحدة كل العراق واحتلته وفككت سلطاته المركزية وشتت قواته المسلحة وأدارته بقرار، اعتبرت ان القوة تبرره وتحميه. وما على الجميع الا الطاعة. واعتبرت ايضاً ان قراراً آخر يقيم نظاماً جديداً ينبغي على الجميع، في العراق وخارجه، ان يندرجوا فيه. وذلك، بغض النظر عن الظروف التاريخية والاجتماعية. اعتقدت الولايات المتحدة بأن ممارسات النظام السابق، وما ادت اليه من معارضة ورفض لها في الداخل والخارج، تكفي وحدها لتبرير كل ما تريده في العراق.
ولم تكتشف ان الفراغ الذي نشأ، مع انهيار النظام والدولة في العراق بفعل سياستها وقراراتها الخارجة عن كل سياق يتصل بالاوضاع العراقية، ستملؤه القوى التي كانت تتحفز وتستعد قبل الغزو، خصوصاً الميليشيات التي تشكلت في ايران وكردستان وافغانستان. وعندما يعلن السفير الاميركي زلماي خليل زاد ان الزعماء العراقيين (كي لا يعترف بأن بعض هؤلاء هم في الواقع قادة ميليشيات) لا يهتمون الا بمصالحهم، يكشف في الوقت نفسه مدى هشاشة اسس الدولة التي رعت بلاده قيامها، ومدى التبريرات المستمدة من هذه الهشاشة لإطلاق كل اشكال العنف.
وتظهر الدعوة الاميركية الحالية الى اجتماع هؤلاء الزعماء خارج بغداد، او خارج العراق، ان قراراً أميركياً وحده لم يعد قادرا على وقف التدهور نحو الحرب الأهلية التي ستكون عنوان الفشل الاميركي الكبير في هذه الحرب، والفشل في تحقيق اغراضها المعلنة.
وللتنصل من الكارثة التي انتهت اليها الحرب الاميركية في العراق، تتجه واشنطن الى كبش محرقة قدمته ايران على طبق من ذهب. فبعدما القى رامسفيلد سابقاً مسؤولية ممارسات التكفيريين على الجوار العراقي كي لا يعترف بفشل قواته منذ البداية في توفير الامن والاستقرار، اكتشف قبل ايام، مثلاً، ان في ايران «حرساً ثورياً» يتدخل في العراق، وكأنه لا يعرف ان الميليشيات التي تولت الحكم في العراق ومؤسساته الامنية، بقرار اميركي، نشأت وتدربت في ايران وارتبطت بها ارتباطاً عضوياً، انطلاقاً من العداء المشترك للنظام السابق.
لكن هذه الميليشيات، بمساعدة ايران او من دونها، لن تتخلى عن مكاسبها التي حققتها بقرار في البداية، ومن ثم ثبتته عبر اقتراع اثار شكوكاً كثيرة. وهذا ما تظهره كل المناورات المرتبطة بتسمية رئيس الحكومة وتشكيلها ومرجعيتها.
واذا كان الاكراد، تمكنوا من جعل الشمال منطقة نفوذ مطلق لهيئاتهم المحلية، بفعل الديموغرافيا ومفاعيل غزو صدام للكويت، لم ينجحوا في تحويل تجربة الاحتكام الى الانتخاب والتوافق ايضا الى عنصر مساعد في بقية العراق. علماً ان هذه التجربة بدأت دموية، وتقاتلت خلالها الميليشيات الكردية في ما بينها بضراوة، قبل ان يكتشف الحزبان الكرديان الاساسيان عبث هذا الاقتتال، ويقتنعان بضرورة التوافق وبنبذ اوهام الانتصار والاستئصال.
وتلقي اليوم الادارة الاميركية على ايران فشل مثل هذه التجربة في كل العراق. وفي الوقت نفسه تسعى الى وضع الجوار العراقي، خصوصاً العربي، في مواجهة الوضع الجديد، بعدما صمّت الآذان ازاء كل تحذيرات هذا الجوار وكل تحفظاته عن طريقة ادارتها للغزو وإعادة تركيب الدولة العراقية.
وإذا كان الجوار غير مقتنع بـ «التدخل» الايراني في العراق، وما زال يعتبر ان على الادارة الاميركية ان تصحح ما اقترفته في هذا البلد، تلجأ هذه الادارة الى الملف النووي الايراني المحال على مجلس الامن لتضع طهران في مصاف الخطر الاكبر في المنطقة، مع كل ما يعنيه ذلك من توترات وعداءات وهواجس... ولتصبح المشكلة العراقية جزءاً منها وليس مشكلة قائمة بذاتها تتعلق بمصير بلد ودولة.

الحياة    - 12/03/06//

أضف تعليق