العراق الأمريكي الجديد والذي ما فتأت الادارة الامريكية تبشرنا به نموذجا وملهما للديمقراطية في الشرق الاوسط, اصبح بالفعل نموذجا ومثالا ولكن لدولة تسود فيها شريعة الغاب مرتدا الى القرون الوسطى في الاساليب الهمجية والسلوك الوحشي والذي يمارس فوق ارضه من اطراف بعضها مجهول في الظاهر
والآخر معلوم بل ويرتدي لباس حماة القانون مطبقا قانون الغابة في تغييب الابرياء واختطافهم وتعذيبهم حتى الموت ورمي جثثهم على قارعة الطرق ونواصيها. في العراق الامريكي للديمقراطية نكهة خاصة يمتزج فيها الموت البشع بالحرمان القاسي وبصور كثيرة وغريبة تعصف بآدمية الانسان الى اسفل سافلين.
الحكومة العراقية تعلن وبكل بساطة اعدام ثلاثة عشر متمردا شنقا وتتفضل على الرأي العام بإعلان اسم واحد من المتمردين وتخفي وتتحفظ على اسماء الباقين. الرأي العام العالمي يرقب الاعدامات الرسمية وبالجملة والمتوازية مع اعدامات صامتة وباعداد غفيرة دون ان يتساءل اذا كان من اعدموا قد نالوا محاكمة عادلة او حتى غير عادلة, وهل كانت عندهم فرص للدفاع عن انفسهم ام لم تكن؟ اما فرق الموت فهي تزرع العراق بالقتل والارهاب, التقارير الدولية وحتى بعض التصريحات الامريكية تشير وبوضوح لمن يقف وراء تلك الجرائم المقترفة ضد الانسانية والتي ترتكب في وضح النهار, ومع كل تصريحات التنديد الاعلامية وكشف بعض الاوراق فيما يخص تلك الانتهاكات والتجاوزات فإن فرق الموت تزداد عدة وعتاد وقدرة جالبة الخوف وناشرة الرعب في عراق امريكا الجديد. وحسب تقرير لوكالة رويترز فإن شبكات صيادي السمك العراقيين كثيرا ما يعلق فيها جثث القتلى من ضحايا فرق الموت والرعب.
فتاة لم تتجاوز خمسة عشر عاما تهرب من أسر رجل اشتراها بسبعمائة دولار ليمارس معها انواعا من الشذوذ والفحش. هكذا تنقل وكالات الانباء اخبارا عن رقيق يباع ويشترى في العراق الامريكي والذي يعود بنا الى ازمنة غابرة من الرق والعبودية حسبنا ان صحائفها طويت وللابد. المضحك المبكي ان احد اهداف الغزو الامريكي الصارخة لافغانستان كان تحرير المرأة الافغانية من حكم الطالبان, فإذا برسالة الاستعمار الامريكي الحضارية ترتد بالمرأة العراقية الى عهود الاستعباد والاسترقاق. وفي الوقت الذي يعاني فيه العراقيون من البطالة المتفشية والفقر المهلك والذي يصل الى درجة الجوع المؤلم, نجد اعلانا على شبكة الانترنت لشركة بلاك ووتر الامريكية بتاريخ 10/3/2006 عن حاجتها الى موظفين امريكيين في مجال الامن براتب سنوي يصل الى 200 الف دولار امريكي, وهكذا تترجم عملية اعادة الاعمار العراق في القاموس الامريكي الى تدميره وافقاره.
بين الحين والاخر تنقل وكالات الانباء خبرا عن رجال بلباس ومعدات وسيارات الشرطة او مغاوير وزارة الداخلية او من آلوية العقرب والذئب وما شابه وقد قاموا بخطف ابرياء او ارتكاب اعمال اجرامية. أحدث تلك الاخبار تحدثت عن رجال بلباس المغاوير قاموا بخطف خمسين عنصرا من شركة للأمن في بغداد وفي رابعة النهار. الغريب ان وزارة الداخلية تتبرأ علنا من تلك الجرائم والتجاوزات. فإذا كانت تلك العناصر فعلا دخيلة على مؤسسات وزارة صولاغ فكيف لها بالقدرة على التحرك وبهذه الاعداد دون ان توقفهم عناصر شرطة حقيقية والذين وصلت اعدادهم لإرقام كبيرة مما اعتبر واحدا من انجازات حكومة الجعفري, اما اذا كانت تلك العناصر مرتبطة – وهو المرجح- بوزارة صولاغ فإن الامن تحول في العراق الى أيدي الارهابيين واصبح حاميها حراميها!! وفي كل الاحوال فإن المواطن العراقي اصبح عاجزا عن التفريق بين رجال الامن ومجرمي الامن وبالتالي فلن يجد ملجأ او ملاذا لحماية نفسه سوى عن طريق عشيرته ان امكنه او ربما الارتباط بجماعات مسلحة, وهي صورة اخرى للعودة بالعراق الى مرحلة اللادولة تمهيدا لتفكيك البلاد وادخالها في حقبة داحس والغبراء.
اما لجان التحقيق والتي تشكلها الحكومة العراقية بين الحين والآخر للكشف عن المآسي والجرائم المرتكبة بحق العراقيين الآمنيين من قبيل مأساة جسر الائمة والتفجير الاجرامي في سامراء, فسرعان ما تتحول الى لجان تلفيق وطمس للحقائق. فلم نسمع ولا لمرة واحدة عن نتائج او استنتاجات تلك اللجان, فعلى سبيل المثال لم نعرف هل كان سبب مأساة جسر الائمة الاجراءات الخاطئة التي اتخذتها وزارة الداخلية بسدها الطرق ووضع حواجر خرسانية ضخمة ام ان هناك اسبابا اخرى؟ كما نشر تصريح في الموقع الالكتروني للامام الخالصي يقول فيه ان عناصر من التيار الخالصي اتصلت بأقرباء ضحايا جسر الائمة لتجد أن ايّا منهم لم يتلقى اتصالا من عناصر حكومية او حصل على مساعدة من التبرعات الكبيرة والتي اعلنت لمساعدة ضحايا تلك المأساة. اما تفجير سامراء وعلى رغم من اعلان الحكومة عن ايقاف عناصر مشبوهة, فانني اكاد اجزم اننا لن نسمع اجابات عن تساؤلات مشروعة طُرحت بعد الانفجار آثار بعضها وزير عراقي بقوله انه ليس من عادة الارهابيين ترك الحرس احياء بالاضافة الى بيان وزارة الداخلية العجيب حول الجريمة والظروف المحيطة بالعملية من قبيل حالة حظر التجوال وكمية التفجيرات الضخمة. العراق الامريكي الجديد بديمقراطيته الفريدة اعادنا الى عهود الرق ووحشية التتار وتخلف القرون الوسطى واحوال من البؤس والرعب وانتشار الطاعون الفكري وثقافة الذبح والتصفية والقتل على الهوية وانتشار الجثث في الطرقات ومجاري الانهار.
كندا
yassersaed1_(at)_yahoo.ca
العراق الامريكي الجديد وشريعة الغاب... ياسر سعد
