في الحسابات الراهنة اميركياً - واسرائيلياً ايضاً - قد تبدو الحرب على العراق الحرب التي لم تكن ضرورية وملحة، مثلما تبدو الحرب على ايران ضرورية وملحة الآن، لكن الظروف لا تخدم الاستعجال. فالرئيس جورج بوش يسمع يومياً في واشنطن أصواتاً تريد البحث في عزله بسبب تقديمه اسباباً كاذبة لتبرير الحرب على العراق.
وحين لا تصل اليه مطالبات بالعزل، فإن الانتقادات للخسائر البشرية والمالية أصبحت أعلى صوتاً وأقسى سطوة، خصوصاً بعدما أظهرت التطورات العراقية انهياراً لكل الأهداف «الجميلة» التي أعلنتها الولايات المتحدة قبيل الغزو والاحتلال وادعت انها ستسعى الى تحقيقها.
الأكاذيب والتلفيقات ستأتي لاحقاً لتبرير اي عمل عسكري ضد ايران، هناك خبراء اسرائيليون يعملون على طبخها. وفي الانتظار لا بأس بأن تقول وزيرة الخارجية ان ايران هي «التحدي الأكبر للسياسات الاميركية في الشرق الأوسط». اي سياسات؟ لا بد أنها تشير الى ما يطبق في العراق، خصوصاً في العداء التاريخي للشعب الفلسطيني، أو في تحريض اللبنانيين بإشارات حائرة ومضللة، أو في بذل ما أمكن للحفاظ على النظام السوري، وان كانت الاشارات الاعلامية توحي بالعكس... لا تبدو ايران متحدية في هذه السياسات، فالأميركيون هم الذين فتحوا لها أبواب العراق، وهم والاسرائيليون أفشلوا السلطة الفلسطينية و «فتح» فانتخبت «حماس» لتصحيح المسار، وهم الذين انعشوا الدور الايراني في لبنان كما أعادوا الروح الى تحالف طهران ودمشق.
أصبحت ايران اليوم الضامن الأول للنظامين السوري واللبناني، بل تستعد لضمان الحكومة الفلسطينية، إذا نفذت التهديدات بقطع المساعدات الدولية بسبب وجود «حماس» في الحكم. ولا ينافس الدورين الاميركي والاسرائيلي - والبريطاني ايضاً - في العراق سوى الدور الايراني الذي لا يُرى منه سوى جزء صغير نظراً الى تغلغله الناجح في ثنايا المجتمع وفي مختلف المناطق. لكن هذا الدور لا يتحدى الاحتلال الاميركي، بل يهيئ له بعض الاسباب الشرعية (عبر بعض الفصائل العراقية) كي يطيل المكوث، فهذا الاحتلال كان الهدية والجائزة الكبرى التي لم يجرؤ الايرانيون يوماً على مجرد الحلم بها فإذا بها تأتيهم عند باب الدار.
على المستوى الاقليمي، وعلى رغم مشكلة الجزر الاماراتية الثلاث التي لا يراد لها ان تحل بالوسائل العسكرية، فإن جيران ايران يبدون حالياً متعايشين معها بحد أدنى من الاستقرار. صحيح انهم لا يثقون بهذا الجار الذي امتهن تصدير الثورة والقلاقل، ولا يزال معتبراً ملاذاً للتطرف والمتطرفين، إلا ان عواصم الخليج العربي لم تشك أخيراً من تدخلات أو مغامرات ايرانية جديدة. والأكيد ان آخر ما يريد عرب الخليج ان يسمعوا به هو مشروع حرب أخرى في منطقتهم، فهم لا يثقون ايضاً بالأطراف الأخرى، وفي طليعتها الولايات المتحدة.
لكن الواضح ان الحرب ليست متاحة. الأميركيون يعرفون ماذا يستطيعون ان يفعلوا عسكرياً، وماذا يستطيع ان يفعل الاسرائيليون عسكرياً، لكنهم لا يعرفون ماذا سيحدث بعد ذلك. وكان هذا النوع من «المجهول» هو الذي فاجأ الاميركيين في العراق ولا يزال يفاجئهم. الحرب غير متاحة اميركياً لأن الرئيس بوش لن يتمكن من ابلاغ الاميركيين بأن ايران باتت تملك قنبلة نووية إلا إذا أراد ان يكذب مجدداً، كذلك لن يتمكن من اقناعهم بأن القنبلة التي لم تصنع بعد تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة واسرائيل. ولأن الحرب غير متاحة إلا إذا ركبت اسرائيل رأسها وقررت اشعالها بنفسها، فإن أحد أهم صهاينة أوروبا وهو خوسيه ماريا اثنار يقترح ضم اسرائيل الى حلف الاطلسي لإبعاد أي تهديد ايراني لها، أو تأمين مظلة حماية لها في حال تعذر ضمها الى الحلف.
سنسمع الكثير في الاسابيع المقبلة، تهديدات وتهديدات مقابلة، عنتريات من خامنئي واحمدي نجاد، وعنتريات مضادة من موفاز ورامسفيلد. وحسناً فعل التلفزيون البريطاني بتذكيره الجميع بأن ثمة سلاحاً نووياً خارج الجدل الدائر الآن، وهو سلاح اسرائيلي ساهمت بريطانيا في صنعه ولو بشكل غير مباشر.
لكن جاك سترو وتوني بلير لا يصدقان أي شيء يأتي من «بي بي سي».
المصدر/ الحياة
حرب غير متاحة!... عبدالوهاب بدرخان الحياة
