هيئة علماء المسلمين في العراق

مذابح الأدمغة العراقية … رضي السماك
مذابح الأدمغة العراقية … رضي السماك مذابح الأدمغة العراقية … رضي السماك

مذابح الأدمغة العراقية … رضي السماك

على امتداد نحو أربعة عقود منذ كارثة يونيو 1967 سال مداد على الورق ربما بحجم عشرات البراميل عما يعانيه الوطن العربي من هجرة الأدمغة والكفاءات العربية إلى البلدان الغربية المتقدمة التي استفادت منها أيما استفادة في مقابل خسارة أوطانهم واستنزافها من جراء تلك الهجرة. وحُملت الأنظمة السياسية العربية في الغالب مسئولية هذا الاستنزاف لجملة من الأسباب لعل أبرزها فساد واستبداد هذه الأنظمة وما تتبعه من غياب حرية التعبير وحق الحصول على المعلومات بحرية كاملة، وغياب حرية البحث العلمي والالتزام بالمعايير الموضوعية في تشجيع الكفاءات والمتميزين ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب ودعم مؤسسات البحث العلمي ومنح الأجور والمكافآت المجزية للمبدعين والنابغين الخ. هذا فضلا عما تعانيه معظم الأقطار العربية من غياب للاستقرار السياسي سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي أم الاثنين معا. وكانت مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن والأردن وإلى حد ما دول الخليج من أبرز الدول المشرقية التي عانت من هذه الظاهرة فضلا عن دول المغرب العربي بأسره بالطبع. وبعض أنظمة هذه الدول العربية التي تعاني من استنزاف وتبديد أدمغتها العلمية لا تتوانى عن الافتخار ببعضهم إذا ما برزوا وتبوأوا المكانة العلمية العالمية ونالوا جوائز علمية عالمية كجوائز نوبل رغم دور هذه الأنظمة نفسها في «تطفيش« وتيئيس كفاءاتها ودفعهم إلى الهجرة من الوطن. وإذا كان يحسب لهؤلاء الأدمغة العربية المهاجرة مثابرتهم وكفاحهم العلمي والمعيشي في البلدان الغربية المتقدمة التي وفدوا إليها حتى بلغوا ما بلغوه من مرتبة علمية متميزة فإن المأثرة الأعظم تحسب لتلك القلة القليلة التي ظلت مرابضة قابضة على الجمر داخل أوطانها العربية رغم أحلك الظروف السياسية والمعيشية والأكاديمية، ومع ذلك بصمودها استطاعت أن تجترح معجزة التميز والنبوغ في مختلف المجالات العلمية والمعرفية والثقافية. وأحسب أن العراق في مقدمة هذه البلدان العربية التي عانى أساتذتها الجامعيون وعلماؤها في ظل نظام سياسي دكتاتوري دموي قل مثيله في التاريخ العربي المعاصر، وذلك على مدى ثلاثة عقود، فهاجر من هاجر، وفر من فر وسُجن من سُجن، وتقاعد من تقاعد وانزوى من انزوى وقتِل من قتِل خلال هذه الحقبة المظلمة. لكن وبالرغم من كل هذه الظروف الكارثية ظلت نخبة من علمائه وأساتذته تقاوم بمعجزة مدهشة مخاطر إما التصفية العلمية الأكاديمية وإما التصفية الجسدية تبعا لنزوات الطاغية وحاشيته في الحزب والدولة والعشيرة. وهي معجزة لا تضاهيها فيها على المستوى العلمي وعلى المستوى المقاوم أي نخبة علمية عربية أخرى حتى كادت هذه النخبة العلمية العراقية لولا تهور نظامه ومغامراته أن تكون في مقدمة النخب العلمية العربية وذات قصب السبق في مختلف مجالات العلوم والمعرفة. ومع ذلك فالعراق لم يواجه هذا الاستنزاف الخطير لعقوله وأدمغته العلمية والمعرفية كالذي يشهده الآن منذ إسقاط النظام السابق قبل ثلاث سنوات في ظل الاحتلال الأمريكي وحكومات الائتلاف الشيعية الكردية المتعاقبة. ففي بحر هذه المدة القصيرة تمت تصفية ما يقرب من مائتي عالم وأستاذ جامعي في مختلف التخصصات العلمية من بينهم علماء كبار على المستوى العالمي في الطب والفيزياء والكيمياء والاقتصاد والعلوم البيولوجية والسياسة والقانون والتاريخ واللغات العالمية والفيزياء النووية والفنون وغيرها. وكانوا ضحايا لكل أشكال فوضى الصراعات والتناحرات الراهنة التي يشهدها العراق بدءا من حجج اجتثاث «البعث« ومرورا بالتصفيات على الهوية الطائفية أو الحزبية فإرهاب الميليشيات الحزبية الطائفية التي تعيث في أحرام الجامعات فسادا لفرض أجندتها الثقافية الطائفية (أحد عمداء الكليات قتل لرفضه تعليق اللافتات السوداء على أسوار وبوابة كليته في عاشوراء الماضي طبقا للحياة 27/2/2006م)، وليس انتهاء بالاختطاف لفرض الأتاوات والابتزازات المالية. ولعل مما له مغزى أن الضحايا جلهم عرب يتوزعون بالتساوي على كلتا الطائفتين السنية والشيعية، ولعل التساؤلات التي تفرض نفسها هنا: إلى متى سيستمر هذا المسلسل الرهيب المرعب من تفريغ العراق من كل أدمغته وكفاءاته العلمية، وهو مسلسل لم تشهده كل الحروب الأهلية العربية المعاصرة التي اندلعت في لبنان والجزائر واليمن والسودان؟ ولمصلحة من ينفذ هذا المسلسل؟ ومن يقف وراءه من جهات خارجية خفية غير الجهات الداخلية المعلومة؟ وإذا كان هذا المسلسل ينفذ أمام عجز وتفرج الاحتلال والحكومة العراقية.. فأين دور اليونسكو والأمم المتحدة؟ وهل تضطلع الجامعة العربية والمؤسسات العلمية والجامعية والأكاديمية العربية بأدنى واجباتها القومية والدينية والعلمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الأدمغة الصامدة في العراق الجريح؟

أضف تعليق