هيئة علماء المسلمين في العراق

قراءة مختلفة لدلالات ما وقع بعد جريمة سامراء... ياسر الزعاترة
قراءة مختلفة لدلالات ما وقع بعد جريمة سامراء... ياسر الزعاترة قراءة مختلفة لدلالات ما وقع بعد جريمة سامراء... ياسر الزعاترة

قراءة مختلفة لدلالات ما وقع بعد جريمة سامراء... ياسر الزعاترة

لم نشأ أن تأتي هذه القراءة في سياق الحشد الطائفي الذي وقع إثر جريمة الاعتداء على مقام الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، فكان أن فضلنا تأخيرها بعض الشيء حتى تأخذ أبعادها الشمولية التي تتجاوز خصوصية الحدث إلى عموم الأزمة التي يعيشها عراق هذه الأيام، ومعها أو تبعاً لها أزمة الثقة الناشبة في صفوف المسلمين بين سنة وشيعة. هناك بعدان أساسيان يمكن التوقف عندهما في هذا السياق؛ يتعلق أولاهما بالمواقف السياسية للمراجع الكبار في النجف الأشرف وعلى رأسهم السيد علي السيستاني، فيما يتعلق الثاني بدلالات ما جرى بعد الجريمة من اعتداءات على العرب ومساجدهم.
بالنسبة للبعد الأول لا بد من القول إن علينا الاعتراف بأن من حق أي طرف أن يختار النهج الذي يراه مناسباً في التعامل مع الاحتلال، من دون أن يصادر حق الآخرين في رفض ذلك النهج والتعريض به بالطريقة التي يراها، وهنا ينبغي القول إن الشيعة، وكما العرب السنة لم يتفقوا على رأي واحد، إذ مال بعضهم إلى التوافق مع الاحتلال بهدف تحقيق مكاسب طائفية، فيما مال آخرون إلى الرفض السياسي وتبني خيار المقاومة من دون المشاركة المباشرة فيها، كما هو حال التيار الخالصي والبغدادي، أما الطرف الثالث فقاوم ثم عاد ومال إلى المقاومة السياسية كما هو حال التيار الصدري.
من هنا يمكن القول إن المراجع الكبار في النجف لم يمثلوا عموم الشيعة في موقفهم، لأنهم بدعمهم الخيار السياسي في التعامل مع المحتل قد انحازوا لأطراف معينة في اللعبة دون أخرى، وهو ما ينفي عنهم صفة الحياد التي يتدثرون بها، كما ينفي عنهم مقولة عدم التدخل في الشأن السياسي.
لقد تدخل السيد السيستاني وما زال يتدخل في السياسة، الأمر الذي ينطبق على المراجع الآخرين، وقد فعلوا ذلك في أهم المحطات بالنسبة للشيعة، كما هو الحال مع الانتخابات ومع الدستور، وها إن الموقف الأخير ممثلاً في الدعوة إلى التظاهر بمناسبة اعتداء سامراء يؤكد ذلك.
في سياق السلوك السياسي للمراجع، وعلى رأسهم السيد السيستاني يمكن القول إننا إزاء سلوك طائفي إلى حد كبير، فالاحتلال لم يتعرض إلى الحد الأدنى من الهجاء من قبل هؤلاء، على رغم أن وجوده هو الذي يوفر أجواء الفوضى في العراق، كما أن الاعتداءات التي يتعرض لها العرب السنة وعلى رغم بشاعتها لا تتعرض لأي انتقاد من قبلهم، فكم من مرة خرجت التقارير تتحدث عن السجون الأمريكية وما يحدث فيها ومعها مسالخ وزارة الداخلية، وكم من مرة تعرضت المدن العربية السنية إلى اعتداءات بشعة، لكن ذلك كله لم يدفع المراجع إلى توجيه أي انتقاد. والأسوأ أن شيئاً من ذلك قد وقع بالنسبة للاعتداء على النجف يوم تحصن فيها الصدريون.
الأسوأ أن قضايا الأمة الخارجية لا تحضر في خطابهم أيضاً، مع أن السيد السيستاني هو المرجع الأهم بين مراجع الشيعة في العالم، ففي حين استنكر العالم الإسلامي ما جرى من عدوان على النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في واقعة الرسوم، لم يتفضل (السيد) بأي موقف على هذا الصعيد؛ لا هو ولا مراجع النجف الثلاثة الآخرين (إسحق الفياض، محمد سعيد الحكيم، بشير النجفي) في حين سمعنا الكثير من السيد محمد حسين فضل الله في لبنان، كما سمعنا من السيد حسن نصر الله أيضاً.
خلاصة القول إن ثمة حاجة إلى إعادة النظر في السلوك السياسي لمراجع النجف، ليس على صعيد الصراع الداخلي بين فرقاء القوى الشيعية، ولكن أيضاً على صعيد صراع الوطن برمته، ومن بعد ذلك على صعيد قضايا الأمة، وما من شك أن جوهر مواقف الأمة منهم لا تتحدد بشكل أساسي بسبب رؤاهم الفقهية أو الاعتقادية، بل تبعاً لمواقفهم السياسية، أكان من العدوان الذي تتعرض له من الخارج، أم من وحدتها وتسامحها مع بعضها البعض.
نأتي إلى البعد الثاني ممثلاً في دلالات ما جرى بعد جريمة سامراء، ذلك أن ما تابعناه من حشد طائفي واعتداءات لا يمكن أن يفسر بوقوع الجريمة إياها، ولا بد أن يكون وراء ذلك حشد طائفي استثنائي يدفع باتجاه اعتبار المعتدى عليهم أعداء وأي أعداء، ولا حاجة هنا للكثير من لغة السياسة، لكن ذلك لا يحول دون التشكيك في رواية من يسمون التكفيريين بحسب المصطلح المستخدم، ليس لأن هؤلاء قد أنكروا ذلك فحسب (لا ينكرون في العادة ما يفعلون)، ولا لأن المدينة كانت بأيديهم شهوراً طويلة ولم يمسوا المكان المستهدف، بل أيضاً لأن ثمة آخرين لهم مصلحة واضحة، بل راجحة فيما جرى، وعلى رأسهم المحتلون.
مع ذلك، وحتى لو اعتقدنا أن ثمة فئة تكفيرية من بين العرب السنة قد استهدفت المقام، فهل يعقل أن يأتي الرد بالاعتداء على المساجد، وحتى تدنيس المصاحف ذاتها، فضلاً عن القتل الأعمى للناس في الشوارع؟ هل يعقل أن يعاقب العرب السنة على ذنب فئة محدودة، ثم هل يختلف ذلك عن القول باستباحة دماء الشيعة لأن قوات بدر أو مغاوير الداخلية يقتلون العرب السنة وأئمتهم ورموزهم؟
لقد قلنا وسنظل نقول إن أتباع المذاهب السنية، باستثناء قلة يتشددون حتى مع المخالفين من السنة، لا يكفرون الشيعة، وهو ما يبدو مختلفاً في الحالة الشيعية، إذ يميل الخطاب العام إلى استمرار الحشد المذهبي على نحو لا ينطوي على تكفير واضح فحسب، بل على استنفار واسع للثارات التاريخية كما لو أنها وقعت بالأمس وليس قبل قرون طويلة. والنتيجة هي أن السنة سيظلون عنواناً أبدياً ليزيد القاتل ما بقي دم الحسين طازجاً على هذا النحو، مع أننا إزاء جريمة لا يتذكرها مسلم على وجه الأرض إلا شعر بالمرارة والقهر.
ثمة حاجة لتحكيم العقل، وليس من المنطق أن ينسخ بعض أخوتنا الشيعة أكثر من مليار مسلم سني من حساباتهم ثأراً لدم الحسين من دون أن يكون لهم ذنب فيما جرى، والأسوأ أن يحدث ذلك في وقت لا يفرق العدو في حربه بين إيران الشيعية وبين سواها من حواضر الأمة، أو بين حزب الله الشيعي وبين حماس السنية.
إننا لا نطالب أحداً بالتنازل عن معتقداته، مع أن المراجعة تبقى مطلوبة من الجميع، ولاسيما أن استمرار تحميل السنة وزر دم الحسين، أو حتى ذنب أبي بكر وعمر بدعوى سرقتهما لحق علي في الخلافة، لن يكون صائباً، ولا بد من العودة إلى أصول الدين التي استقرت قبل ذلك كله. لكن عدم حدوث ذلك لا يجب أن يعفي العقلاء من البحث عن أسس للتعايش ومواجهة العدو المشترك.

المصدر/ السبيل

أضف تعليق