هيئة علماء المسلمين في العراق

العريف حسن وحماية المسجد الأقصى ...منير بياتلي
العريف حسن وحماية المسجد الأقصى ...منير بياتلي العريف حسن وحماية المسجد الأقصى ...منير بياتلي

العريف حسن وحماية المسجد الأقصى ...منير بياتلي

كم هو مطلوب مثل هذا الموقف (عدم السخط على الدولة والإخلاص في أداء الواجب)، من أفراد القوة التي أنيطت إليها مهمة الحفاظ على أرواح الناس والمقدسات الدينية من مساجد ومراقد وكنائس ودور العبادة في العراق على وجه الخصوص. كثيرة هي الدروس والعبر التي يمكننا إستنباطها من تأريخ أمتنا الإسلامية... ولعله من المفيد التذكير بوقائع تأريخية تنسجم مع المرحلة التي تمر بأمتنا الإسلامية وخصوصا في فلسطين والعراق.. ذلك لأن الذي سأسرده يتعلق بكلا البلدين في آن واحد.

ولاشك أن هناك مواقف عديدة جديرة بالإهتمام والتذكير، إلا أن الذي قرأته اليوم أجبرني على كتابة هذه السطور... إنه قصة عريف من عرفاء الجيش العثماني. ولا أستصغر أحدا حينما أقول فاخرا إن الجيش العثماني هو ذلك الجيش الذي نال بشارة الرسول الأكرم (عليه الصلاة والسلام)، وإن السلطان العثماني هو ذلك السلطان الذي فقد عرشه من أجل فلسطين بعدما رفض التفريط بها والتنازل عنها لليهود مقابل كنوز الدنيا... وهذا العريف هو من ذاك الجيش... وإليكم الحكاية:

في عام 1972 زار المؤرخ التركي المرحوم إلهان بارداقجي القدس. وفي يوم 12 مايس 1972 زار المسجد الأقصى برفقة رئيس الدائرة في الخارجية الإسرائيلية وكان يدعى يوسف، وهو من يهود اسطنبول ممن هاجروا الى إسرائيل. وهناك يرى ما يرى، ثم يروي ما رآه كالآتي:

وبينما نحن في باحة المسجد الأقصى رأيت رجلا منتصبا على قدميه يبلغ قامته المترين، متهالك الجسد.. ملابسه رثة الى درجة بحيث لا يعرف إن كان الذي يلبسه معطف أو سترة أو الذي على رأسه قبعة أم سدارة أم طاقية!!! مغمض العينين..لا يتحرك ولا يلتفت الى أحد. فسألت يوسف: من هذا الرجل؟ فأجابني محركا كتفه بالنفي: لا أعلم، إنه مجنون.. يقف هنا منذ سنوات طويلة.. لا يتكلم مع أحد، ولا يسألهم، ولا يبالي بهم!!". دنوت منه وألقيت عليه التحية ـ لا إراديا ـ باللغة التركية: "السلام عليكم يا عم"... إرتجفت جفون عينينه ، وإهتز وجهه الشاحب، الذي خط عليه الزمان مئات الخطوط كالخنادق، فاتحا عيناه، أجابني بلهجة أناضولية فصيحة:  " وعليكم السلام يا بني"!!!.. تجمدت في مكاني من هول الصدمة... أمسكت بيديه وبدأت أقبلهما وأقبلهما.. سألته: من تكون يا عم؟ اشرح لي...

وقبل أن أنقل إليكم ما شرحه عن نفسه، أود أن أحيطكم علما بأننا بقينا في القدس مدة 401 عام و3 أشهر و6 أيام بالتحديد قبل أن تنهار الدولة العثمانية...

قال العم: التأريخ كان يشير الى يوم الأحد 9/11/1917... جيشنا متقهقهر وبدأ بالإنسحاب... والدولة على وشك السقوط.. ولحين دخول الإنجليز الى القدس كان لابد من الإبقاء على قوة صغيرة لحفظ النظام  ولتأمين حماية القدس  والمسجد الأقصى من السلب والنهب. خصوصا وإن الأعراف تقضي بعدم مساس الجيوش المنتصرة عندما تدخل المدن بقوات الحماية حتى يتم إنسحاب أفرادها. وأنا أحد أفراد تلك القوة التي بقيت هنا لحفظ الأمن بعد إنسحاب جيشنا من القدس..

سكت العم برهة، ثم تنكب سلاحه ووقف في وضع الإستعداد وقدم نفسه كعادة العساكر بصوت عال: " أنا العريف حسن.. قائد مجموعة الرشاش الأوتوماتيكي من الفصيل 11 التابع للسرية 8 من الفوج 36 اللواء 20".. بعد ذلك قال لي بهدوء: يا بني عندي أمانة أحتفظ بها منذ سنوات طويلة.. هل يمكنك القيام بإيصالها الى حيث يجب؟!...

قلت له: " بالتأكيد يا عم.. هات ما عندك"...

فقال: " لو عدت الى تركيا وزرت مدينة "طوقات" فاذهب الى قائدي "موسى أفندي" الذي أمّنني على هذا المكان، وقبّل يديه بدلا عني، ثم قل له: إن العريف حسن من أهالي "أغدر" قائد مجموعة الرشاش الأوتوماتيكي الذي كلفته بحماية المسجد الأقصى لا زال مستمرا بواجبه"...

وبهدوء تام عاد الى ما كان عليه من صمت وسكون، منتصبا على قدميه دون أن يسخط على دولته التي أهملته مدة 57 عاما...

الى هنا وتنتهي رواية المؤرخ بارداقجي.. بقي لنا أن نقول: يمكننا أن نستنبط من الرواية دروس عديدة أهمها:

قدسية الواجب.

الإخلاص في أداء الواجب.

الحرص على أدائه بالشكل المطلوب.

عدم ترك الواجب مهما كانت الظروف.

هذه النقاط الأربع هي أقل ما يمكن إستنباطه من حرص العريف حسن على إطلاع قائده ـ إن كان حيا يرزق ـ بالموقف الذي هو فيه من أداء واجبه المناط إليه. وهو كما يقول المؤرخ: لم يسخط لا على قائده الذي تركه هناك مدة 57 عام دون أن يسأل عنه، ولا على دولته التي حركته الى القدس..

كم هو مطلوب مثل هذا الموقف (عدم السخط على الدولة والإخلاص في أداء الواجب)، من أفراد القوة التي أنيطت إليها مهمة الحفاظ على أرواح الناس والمقدسات الدينية من مساجد ومراقد وكنائس ودور العبادة في العراق على وجه الخصوص. لا سيما وأن الأحداث الأخيرة من تفجير مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء وما أعقبته من تخريب المساجد الى قتل الأئمة والمصلين يكشف حجم اللامبالاة في مهمة حفظ الأمن وحفظ أرواح الأبرياء... بينما نردد جميعا:



        بلادي وإن جارت علي عزيزة          وأهلي وإن بخلوا علي كرام


   الهيئة نت    

أضف تعليق