إن فوز حماس بالأغلبية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، كشف بكل المقاييس زيف الديمقراطية الغربية، ولا سيما الديمقراطية الأمريكية، وأمريكا التي تتزعم الدعوة إلى الديمقراطية، وتعلن حروباً وتحتل دولاً بحجة العمل على دمقرطتها، جاء فوز حماس فكشف للعالم أجمع هذه الأقنعة الزائفة لأمريكا وحليفاتها من الدول الغربية.
فما أن فازت حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية اختل توازن تلك الدول من دعاة الديمقراطية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي طلبت من السلطة الفلسطينية أن ترد إليها المعونة، التي كانت قد قدمتها للشعب الفلسطيني عقاباً منها له على اختياره الديمقراطي.
فأين هي الديمقراطية التي تنادي بها أمريكا، وصدَّعت رؤوسنا بها؟ والرئيس بوش في أحاديثه يتحدث إلينا دائماً عن مساعيه لنشر الديمقراطية، وأنَّه ما غزا العراق ودمر أرضه وشعبه إلاَّ من أجل رفع راية الديمقراطية، وتمكين الشعب من فرض إرادته، واختيار من يحكمه، وهاهو الشعب الفلسطيني قال قولته، واختار بمحض إرادته من يمثله، ويعبر عنه، فلمَ عقابه؟ ولمَ فرض شروط على منحه المعونات المالية؟ ولم يُفرض عليه حصار اقتصادي عقاباً على اختياره؟ وأين هي حرية إرادة الشعوب؟ هل على الشعوب أن تختار من تريده أمريكا و”إسرائيل” والقوى الغربية التي تسير في فلكهما؟ إنَّها ديكاتوتوية وليست ديمقراطية، وعلى الولايات المتحدة أن تكشف عن حقيقة مبادئها التي تعمل من أجلها، وتضع كلمة “ديكتاتورية” في موضعها الحقيقي بدلاً من كلمة “ديمقراطية”؛ إذ يشهد الآن الكونجرس الأمريكي بغرفتيه مناقشات حول مشروعي قرارين يرميان إلى تقييد المعونات الأمريكية غير الإنسانية إلى الحكومة الفلسطينية الجديدة التي تعكف حركة حماس على تشكيلها، ما لم تنبذ “الإرهاب” وتعترف علانية بحق “إسرائيل” في الوجود.
أي إرهاب يقصدون؟ لو كانت حماس منظمة إرهابية لما انتخبها الشعب الفلسطيني. إنَّ حماس منظمة شعبية وطنية تمارس حقها الشرعي الذي منحته لها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية، ولا توجد شريعة سماوية أو وضعية تقر الاحتلال والاغتصاب، ولا توجد شريعة سماوية أو وضعية تصف مقاومة الاحتلال بالإرهاب إلاَّ الشريعتيْن البوشية الأمريكية و”الإسرائيلية”، فهل يريدون من حماس أن تتخلى عن مقاومة الاحتلال، وأن تعترف ب”إسرائيل”، وتتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني الذي لم ينتخبها إلاَّ من أجل مقاومتها للاحتلال، وعدم اعترافها بدولة المحتل؟
ليس من حق أحد أن يفرض على الشعب الفلسطيني أن يتنازل عن حقوقه، مقابل تقديم معونات له.
ولن يرضخ الشعب الفلسطيني الصامد لمثل هذه الضغوط ليتنازل عن حقوقه التي بذل من أجلها مئات الألوف من الشهداء من أبنائه على مدى ثمانية وخمسين عاماً مقابل معونات.
وإلى متى سيظل الشعب الفلسطيني أسيراً للمعونات، وينتظر صدقات الدول التي لا تأتيه إلا بشروط تُملى عليه، وتجعله أسيراً وتابعاً لها، ومنفذاً لرغباتها؟
من حق الشعب الفلسطيني أن يعيش على كامل أرضه، ويستمتع بخيراتها، ويعيش بعزة وكرامة مثل سائر الشعوب، ولا تأتي دولة دخيلة تحتل أرضه، وتستولي على خيراتها، ويُطلب منه أن يخضع ويستكين، ويعترف بالمحتل، ويعيش على صدقات ومعونات الآخرين وبشروطهم.
على المجتمع الدولي أن يفيق من غفوته، وأن يُنصف الشعب الفلسطيني، وأن يدعه يقرر مصيره بنفسه، وليتركوا حماس تسوي أمورها، وهي أدرى بمصلحة الشعب الذي وضع ثقته بها، وحمَّلها أمانة الحفاظ على أرضه وحقوقه والمطالبة بها.
وعلى الدول العربية والإسلامية أن تقف وقفة رجل واحد مع حماس، وأن تدعمها، وتكون سنداً قوياً لها ضد من يحاربها، ويسعى لإفشال حكومتها.
الدار العراقية
زيف الديمقراطية الغربية - سهيلة زين العابدين حمَّاد
