بعد مرور نحو تسع سنوات على الاحتلال الغاشم وتشدق المسؤولين في الحكومات المتعاقبة في ظله، بشعارات الديمقراطية والشفافية المزيفة وحقوق الإنسان، ما زال المواطن العراقي يتساءل بألم وحسرة عمّا
تحقق في هذه المجالات على ارض الواقع، لا سيما وان الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في هذا البلد الجريح تزداد عاما بعد آخر، فيما تتكرس ثقافة نهب الثروات والفساد المالي والاداري المستشري في المؤسسات والدوائر الحكومية على حساب معاناة ملايين العراقيين الذين يكابدون منذ عام 2003، شظف العيش ويواجهون بصبر وصمود المشكلات والازمات، وما يصاحبها من تخريب للبنيته التحتية.
ان ملف حقوق الإنسان في العراق واسع ومتشعب ويشمل نواحي متعددة، على رأسها ما يجري من اغتيالات وقتل واختطاف واعتقالات عشوائية واحتجاز تعسفي في السجون الحكومية، وتهجير قسري داخل وخارج العراق، اضافة الى أوضاع المرأة والطفل، والاعتداء على الحريات الصحفية، وتردي الخدمات الاساسية وتراجع مستوى التعليم، وغيرها من التجاوزات الكبيرة والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان العراقي، ما جعل الحياة في هذا البلد المبتلى أشبه بالفوضى المغلفة بالخوف.
فقد وصل عدد ضحايا التفجيرات المختلفة والاغتيالات المسلحة التي شهدها العراق خلال العام الماضي فقط، إلى اكثر من (17650 ) شخصا بين قتيل وجريح، فيما بلغ عدد المعتقلين في السجون الحكومية السرية والمعلنة سيئة الصيت، نحو 30 ألف معتقل، وهم يتعرضون يوميا لشتى أنواع التعذيب والضرب المبرح، من قبل الأجهزة الحكومية المسؤولة عن تلك السجون، التي تفتقد إلى الحد الأدنى من الشروط المعمول بها عالمياً، كما يواجه ملايين النازحين خارج البلاد ظروفا اجتماعية واقتصادية صعبة جدا، في الوقت الذي ارتفع فيه عدد المهجرين في الداخل خلال العام الماضي بنسبة 25%، اضافة الى الفقر المدقع الذي تعاني منه نحو مليوني أسرة عراقية نتيجة فقدان المعيل وعدم توفير الحماية الاقتصادية والاجتماعية، وسط ارتفاع عدد الأرامل اللاتي يواجهن مصاعب جمّة في الحياة اليومية، ومعاناة مركبة بوجود ملايين الاطفال جراء حرمانهم من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أقرانهم في الدول الأخرى.
وفي مجال الحريات تؤكد الإحصائيات أن العام الماضي شهد اعتقال أكثر من (23 ) صحفيا، وتعرض (40 ) آخرون للاعتداءات المختلفة اضافة الى ازدياد الممارسات القمعية من قبل القوات الحكومية ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي يخشى أن تتحول إلى نهج ، فيما أصيب (15) صحفياً بجروح مختلفة، اثر تعرضهم للرصاص أو انفجار القنابل الصوتية التي استخدمتها تلك القوات الهمجية، في الوقت الذي تعرضت فيه تسع مؤسسات إعلامية للمداهمة والتفتيش من قبل تلك القوات الهمجية التي أقدمت على إغلاق خمس منها.
ولتسليط الضوء على هذه القضية المهمة والحيوية نقلت المصادر الصحفية التي اعدت هذا التقرير عن عدد من المتخصصين الذين اكدوا استمرار تردي واقع حقوق الإنسان العراقي الذي ينتظر منذ اكثر من ثماني سنوات حدوث التغيير المنشود.
وكان اول المتحدثين الدكتور ( عبد الوهاب محمود ) عضو الهيئة الإدارية لجمعية الأمل لحقوق الإنسان الذي قال بالرغم من مرور كل هذه السنوات على الاحتلال، فان العراقيين ما زالوا يعيشون في مناخ من الخوف، حيث يسقط المئات منهم شهريا بين قتيل وجريح، وسط فشل الحكومات المتعاقبة وعجزها عن توفير الحد الادنى من الحماية لابناء هذا الشعب .. مشيرا الى ان العراق اصبح يحتل المرتبة الأخيرة بين دول العالم من حيث درجة السلم والأمن الأهلي، وأقل الدول العربية أمنا.
كما اكد الدكتور ( هيثم محمود ) عضو الهيئة الإدارية لجمعية حقوق الإنسان ان عدد ضحايا الانتهاكات التي شهدها العام الماضي وصل إلى اكثر من (17650 ) شخص بين قتيل وجريح، نتيجة استمرار أعمال العنف المختلفة التي يعاني منها العراق منذ عام 2003 .. مشيرا إلى أن منظمة العفو الدولية تقدر المعتقلين في السجون الحكومية بـ( 30 ) ألف عراقي، معظمهم يقبعون في تلك السجون دون محاكمة ويتعرضون يوميا لشتى الممارسات التعسفية والضرب المبرح بهدف انتزاع اعترافات بجرائم لم يرتكبوها اصلا ، فضلاً عن الاختفاء القسري.
واستنادا الى بيان صحفي اصدرته بعثة منظمة الصليب الأحمر الدولية في بغداد، اوضح الدكتور (محمود) ان الفترة الواقعة بين شهري ( كانون ألاول وآب عام 2010 ) زارت اللجنة الدولية أكثر من ( 18 ) ألف معتقل في ( 72 ) سجنا ومركزاً للاحتجاز تشرف عليها وزارات العدل والدفاع والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية الحكومية .. مشيرا الى ان الفترة الممتدة بين نيسان عام 2010 وآذار عام 2011 شهدت (3580 ) عملية دهم وتفتيش نفذتها القوات الحكومية، ونتج عنها اعتقال ( 19139 ) مواطناً بريئا، اي بمعدل ( 1595 ) معتقلاً شهريا و ( 53 ) معتقلاً يوميا .
من جهتها اوضحت منظمة العفو الدولية ان عشرات الآلاف من المعتقلين العراقيين الذين سلمتهم قوات الاحتلال الامريكية الى السلطات الحكومية مؤخرا، لا يزالون عرضة لشتى انواع التعذيب وسوء المعاملة من قبل المشرفين على السجون الحكومية، بينها اجبار المعتقلين وهم معصوبو الأعين على التوقيع على اعترافات كانت معدة سلفاً، كما تم تنفيذ أحكام الإعدام ضد المئات منهم بموجب اعترافات مزورة وقعت تحت طائلة التعذيب.
كما رصدت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين العراقيين خلال العام الماضي عددا كبيرا من الاعتداءات والتجاوزات التي رسمت معالم ومشاهد مسلسل انتهاكات الحريات الصحفية وحق الصحفيين في ممارسة هذه المهنة وتغطية النشاطات والأحداث، وعدم احترام الاجهزة الحكومية للمواثيق الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الصحفيين، حيث داهمت تلك الاجهزة القمعية العديد من المؤسسات الإعلامية واعتقلت العشرات من الصحفيين، وصادرت معداتهم، كما بلغت الاعتداءات على الصحفيين منذ بدء التظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت في السابع عشر من شباط الماضي في جميع أنحاء العراق، أكثر من (190) اعتداء بينها نحو ( 100 ) انتهاك، شملت الضرب والاعتقال وعرقلة العمل ومصادرة وتحطيم المعدات الصحفية .
وفي مجال حقوق المرأة أكدت الدكتورة ( وفاء عبد القادر ) رئيسة منظمة المرأة الحرة، وجود نحو مليوني أسرة عراقية تعيلها نساء بعد فقدهن المعيل الذي إما قتل او ما زال يرزح في السجون الحكومية او سجل في عداد المفقودين، كما تواجه النازحات منهن تحديات التعامل مع خسارة المنزل الذي اضطررن إلى تركه بسبب التهديدات أو عدم توفر وسائل العيش نتيجة نقص الدخل في ظل عدم اهتمام السلطات الحكومية بهذه الشريحة المهمة من المجتمع العراقي .
وكان آخر المتحدثين الدكتورة ( سحر عبد العزيز ) عضو جمعية أطفال اليوم، التي اوضحت ان ( 15 ) مليون طفل عراقي يعانون الحرمان من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أقرانهم في الدول الأخرى، كما يتعرض الالاف منهم لمختلف الامراض نتيجة عدم توفر المياه الصالحة للشرب واستخدامهم للمياه الملوثة في الأنهار والجداول .. مشيرة الى ان النصف الأول من العام الماضي فقط ، شهد تسجيل ( 360 ) ألف اصابة بمرض الزحار بين صفوف الأطفال والنساء ، وأكثر من ( 360 ) ألف طفل يعانون من أمراض نفسية، و50% من الطلبة تركوا الدراسة الابتدائية، اضافة الى زج المئات منهم في العمل لإعالة أسرهم، واستخدامهم في أعمال تحط من كرامتهم وإنسانيتهم.
وكالات + الهيئة نت
ح
حقوق العراقيين بين الانتهاكات المستمرة، وتشدق المسؤولين بالديمقراطية المزيفة
