هذه مجموعة من الوصايا لمن انشأ سفر طاعة، كالسفر للحج والعمرة، وشد الرحال إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، والخروج للجهاد، والرحلة في طلب العلم، وزيارة الأقارب، ونحوها، ولمن انشأ سفرا مباحا، وهي:
الوصية الأولى- التحلي بآداب السفر:
سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ويظهر ما كان خافيا منها، كما يقال: سفور المرأة يعني كشفها لما كان مغطى من شعر أو وجه عند من يقول بوجوب ستره، وكما يقال : أسفر الصبح، أي طلع، قال تعالى : { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } [المدثر/34] يعني ظهر.
فالسفر يكشف صفاتك: الحب والكراهية، الرضا والغضب، الرحمة والقسوة، التأني والعجلة، العقلانية وضدها، الواقعية وعكسها، قوة الشخصية وضعفها، فتمسك بآداب السفر؛ لأنك على المحك، وفي اختبار او امتحان نتيجته النجاح او الرسوب، ولا يليق بمن انشأ سفرا دينيا خالصا الا ان ينجح بتفوق؛ لأنه سفر طاعة، لا سفر معصية، ولا سفر تجارة، وليس سفرا للنزهة والراحة والاستجمام، او للتطبب والمعالجة، وغيرها.
الوصية الثانية- الصبر:
السفر بمختلف أنواعه ينطوي على مصاعب جمة، ومخاطر كثيرة، ولا سيما السفر البري، فالطريق طويل وشاق، والجو من حر إلى برد، والنوم عزيز، وقضاء الحاجة (البول والغائط) فيه حرج، وألم الفراق، والشوق إلى الأهل والديار، وكلمة نابية او حركة مريبة من رفيقك في السفر قد تثور لها أعصابك، وهذا كله يقتضي الصبر، كما قال الله -تعالى- : {واستعينوا بالصبر والصلاة ...} فأمر بالاستعانة بالصبر وقدمه على الصلاة، وإذا كان الصبر مُرًّا فعاقبته حلوة.
والشرع والعقل يقرران وجود معاناة في السفر، قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» والنهمة: الحاجة، والسفر قطعة من العذاب لما فيه من الكلفة والتعب والألم وتغير نظام حياتنا المعتاد من النوم والطعام والشراب ومفارقة الأهل والديار؛ ولهذا فإن دعوة المسافر مستجابة: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٌ، لا شَكَّ في إجابَتِهنَّ: دَعوَةُ المُسَافِرِ، ودَعوةُ المظلُومِ، ودَعوةُ الوَالِدِ على الولد» ، وقطعا فإن دعوة المسافر مستجابة بشرط هو الصبر، وخصوصا الصبر على الرفيق.
الوصية الثالثة– التعاون والدلالة على الخير:
ما هو التعاون؟ التعاون هو مساعدة الناس بعضهم بعضًا في قضاء الحاجات، وفعل الخيرات، وقد أمر الله - سبحانه- بالتعاون، فقال: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] والتعاون من ضروريات الحياة؛ إذ لا يمكن للفرد أن يقوم بكل أعباء هذه الحياة منفردًا: عن أَبِى سعيد الْخُدْرِىِّ –رضي الله عنه- قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِى سَفَرٍ مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ [دابة، والمراد بها وسائل النقل] فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ [طعام] فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِى فَضْلٍ [أي في مال زائد عن حوائج الانسان الضرورية] .
ودخل التعاون في شأن النبوة، فقد أرسل الله موسى -عليه السلام- إلى فرعون؛ يدعوه إلى عبادة الله وحده، فطلب موسى -عليه السلام- من الله -سبحانه- أن يرسل معه أخاه هارون؛ ليعاونه ويقف بجانبه في دعوته، فقال: {واجعل لي وزيرًا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري} [طه: 29-32]. فاستجاب الله تعالى لطلب موسى، وأيده بأخيه هارون، فتعاونا في الدعوة إلى الله؛ حتى مكنهم الله من النصر على فرعون وجنوده، فالنبوة فيها تعاون، وموسى نبي ينزل عليه جبريل ويسدده ومع ذلك يطلب عون أخيه هارون.
والتعاون يكون ولو بكلمة: عن أَبِى مَسْعُودٍ البدري الأَنْصَارِىِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ إِنِّى أُبْدِعَ بِى [يعني كلت وتعبت ناقته فلم تعد تقوى على حمله] فَاحْمِلْنِي [على ناقة لك] فَقَالَ « مَا عِنْدِي » ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- : « مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ » ، وهكذا فقد نال هذا الرجل مثل اجر من أعطى ناقة من ماله لغيره؛ لأنه كان سببا في وصول المعونة إلى المحتاج بدلالته عليه.
الوصية الرابعة- لزوم الصمت:
قال النووي: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء" ، وفي القرآن عن أم عيسى، مريم بنت عمران: { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا }[مريم/26] وهي كانت متهمة بأخطر جريمة، الا وهي الزنا، ومن حق المتهم الدفاع عن نفسه، ورفع صوته بالكلام، لكن الله تعالى أمرها بأن تنذر الصوم، وهو الصمت لسببين:
أحدهما: أن كلام عيسى -عليه السلام- أقوى في إثبات البراءة وإزالة التهمة من كلامها، فهو خير محام يحامي عنها، وفيه دلالة على أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى.
والثاني : أن سكوت العاقل على الجاهل واجب.
وان المحافظة على الهدوء، والابتعاد عن الضوضاء من اهم صفات الشخصيات المحترمة، قال علي بن ابي طالب -كرم الله وجهه- : "بكثرة الصمت تكون الهيبة" ، وقال عمرو بن العاص:"الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل".
وإذا كان الصمت مستحبا في كافة الأوقات فإنه في موسم الحج والعمرة والزيارة اشد استحبابا لقول الله تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [ البقرة/197] ، وعن ابي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه- قَال: سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: « مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ » ، وَالرَّفَث: اسم للفُحْشِ من القول، وأَما الفُسُوق فَالمعصية، يُرِيد –والله اعلم- أنه لا ذنب له؛ لأَنّ ما أتَى بِه من العمل قد كفر سائر ذنوبه فصار كيوم ولدته أمه لا ذنب له.
التفكر والاعتبار: المؤمن يتفكر فيما يشاهده في سفره، ويتدبر في خلق الله؛ وذلك مما يزيد الإيمان، وهذا خير له من الكلام الكثير بلا فائدة، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم- يخرج من مكة إلى غار في جبل، يفكر في خلق الله، ويستدل به على الله ، وهذه سمة أهل الإيمان: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران/191] .
الوصية الخامسة- الكرم:
في قصة إبراهيم -عليه السلام- : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ } [الذاريات/24-27] ، فإبراهيم -عليه السلام- لم يكن يعرف الملائكة لكنه قدم لهم أشهى الطعام، وهو اللحم المشوي، فلا يقولن قائل: انا في ارض بعيدة، وفيها غريب، لا يعرفني احد، فالكرم من شيم الكرام، وهو طبيعة متأصلة فيهم. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ « السَّخِىُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِىٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ » .
والجود لا يكون بالطعام والشراب فقط ، بل هما جود، وكل عطاء وتضحية جود، كمن يترك مكانه في طابور الانتظار لغيره، ومن يتنازل عن كرسيه أو مقعده ، ومن يحمل أمتعة غيره، وغيرها من الأعمال .
الوصية السادسة- الحث على الإيثار، والتنفير من الأثرة:
الإيثار: أن يقدم الإنسان حاجة غيره على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه، قال تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" .
تروي كتب السيرة والتاريخ انه انطلق حذيفة العدوي في معركة اليرموك يبحث عن ابن عم له، ومعه شربة ماء، وبعد أن وجده جريحًا قال له: أسقيك؟ فأشار إليه بالموافقة، وقبل أن يسقيه سمعا رجلا يقول: آه، فأشار ابن عم حذيفة إليه؛ ليذهب بشربة الماء إلى الرجل الذي يتألم، فذهب إليه حذيفة، فوجده هشام بن العاص، ولما أراد أن يسقيه سمعا رجلا آخر يقول: آه، فأشار هشام لينطلق إليه حذيفة بالماء، فذهب إليه حذيفة فوجده قد مات، فرجع بالماء إلى هشام فوجده قد مات، فرجع إلى ابن عمه فوجده قد مات، فقد فضَّل كلُّ واحد منهم أخاه على نفسه، وآثره بشربة ماء.
واجتمع عند عالم يقال له (أبو الحسن الأنطاكي) أكثر من ثلاثين رجلا، ومعهم أرغفة قليلة لا تكفيهم، فقطعوا الأرغفة قطعًا صغيرة وأطفئوا المصباح، وجلسوا للأكل، فلما رفعت السفرة، فإذا الأرغفة كما هي لم ينقص منها شيء؛ لأن كل واحد منهم آثر أخاه بالطعام وفضله على نفسه، فلم يأكلوا جميعًا.
أما الأثرة فهي حب النفس، وتفضيلها على الآخرين، فهي عكس الإيثار، وهي صفة ذميمة نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فما أقبح أن يتصف الإنسان بالأنانية وحب النفس، وما أجمل أن يتصف بالإيثار وحب الآخرين.
الوصية السابعة- طبيعة العلاقة مع طاقم الرحلة
ليحرص المسافر على تحديد شكل علاقته بطاقم الرحلة، فيكون لكبيرهم ابنا، ولصغيرهم أبا، ولتِرْبِهِ أخا، ويتشرف بتقديمه الخدمة لهم، كما قال الشاعر :
الناسُ للناس ِ من بدو ٍ وحاضرة ٍ بعضٌ لبعض ٍ وان لم يشعروا خدم ُ
ولابد ان تكون العلاقة بينهم علاقة تكامل ( والمقصود ان يكمل كل منهم دور الآخر ) وفي الأثر : (المرء قليل بنفسه كثير بأخيه) ، واليد الواحدة لا تصفق – كما يقول المثل– قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه مجموع الفتاوى [ج28ص53] : "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين" .
وصايا لمن انشأ سفر طاعة ... د. ثامر براك
