أخبار العراق تعج بالأزمات والسرقات والرشاوى والتصفيات، والصراعات الكيدية على المغانم والمناصب والنفوذ،
وحجوم الحصص التي يتقاسمها لصوص العراق الجديد، والفضائح التي تنسحب على الكبير والصغير من أزلام السلطة وأحزابها، وبطبيعة الحال فإن أصحاب القرار الفعلي فيه هم الأمريكان؛ وسفارتهم في المنطقة الخضراء على علم بكل صغيرة وكبيرة منها، ومن الواضح أنهم مستأنسون لما يحدث، لأنهم هم من هندس لهذا الواقع منذ بداية غزوهم وحتى الآن.
اعتقال وزير الكهرباء رعد شلال بعد إقالته، نتيجة لاتهامه بتوقيع عقود مع شركات وهمية، ويبدو أن اعتقاله قد تم بعد أن رد على الاتهام التشهيري الموجه إليه باتهام المالكي ونائبه الشهرستاني بعلمهم وموافقتهم على هذه العقود قبل التوقيع عليها، وبعد أن خفت ضجة وزير الكهرباء، طفحت للسطح ضجة استقالة السيد رئيس هيئة النزاهة، رحيم العكيلي، بسبب ضغوط تمارس عليه لعدم فتح ملفات بعينها واستبدالها بملفات أخرى، إضافة للتدخل السافر في عمله من قبل الحكومة ومكتب رئيس الوزراء الذي يعتبر الهيئة تابعة للحكومة وليس للبرلمان.
ثم أثيرت قضية الأمر القضائي الصادر من مجلس القضاء الأعلى والذي يطالب برفع الحصانة عن العضو البرلماني ورئيس لجنة النزاهة السابق فيه الشيخ صباح الساعدي تمهيدا لاعتقاله، ومن الواضح أن اتهام الساعدي لرئيس الوزراء بالدكتاتورية والتستر على مجموعة من الموالين له، وهم من الفسدة والمزورين، كان وراء صدور مثل هذا الأمر القضائي الذي يؤكد عدم نزاهة القضاء نفسه وعدم استقلاليته.
وفي الأيام الأخيرة تصاعد دخان الاتهامات المباشرة من قبل أعضاء في البرلمان ومنهم، عالية نصيف وعمار الشلبي، لهوشيار زيباري، بتلقي رشوة من رئيس حكومة الكويت، لكي يتهاون بموقفه من التجاوزات الكويتية على الحقوق الطبيعية للعراق في جرفه المائي والذي سيتعرض للانحسار بسبب إقامة الكويت لمشروع ميناء مبارك على رأس جزيرة بوبيان التي تقع أمام الموانئ العراقية، وهناك أدلة منطقية تؤكد صحة هذه الاتهامات، ومن أهمها تصريحات زيباري نفسه التي نفى فيها التهمة، حيث قال إن ما قدمه المسؤول الكويتي له جاء لشخصه وليس لمنصبه، لكن واقع الحال يقول إن منصب زيباري هو السبب الوحيد لعلاقتة بالمسؤول الكويتي، ناهيك عن أنه كوزير خارجية، لم ينبس بكلمة واحدة ولو من باب العتب تجاه التصرفات الكويتية المكررة بعدائيتها للعراق!
اما الصراع بين علاوي وكتلته من جهة والمالكي وكتلته من جهة أخرى حول تسمية وزراء الدفاع والداخلية والأمن الوطني وحول تشكيل مجلس السياسات العليا، والذي سبق وأن اتفق عليه ليكون مخرجا لأزمة تشكيل الحكومة، فإن حباله ما زالت ممدودة، ويبدو أن الهندسة الامريكية تصب جهدها على مد عمر الأزمة أكثر بين الطرفين، لأجل جمعهم مرة أخرى ضمن اتفاق جماعي يعالج الانسداد القائم بطريقة الحزمة الواحدة، لتمرر فيه قضية التمديد لبقاء قسم من القوات الأمريكية في العراق.
وإذا أخذنا دخول البارزاني على خط التصعيد أيضا، بمطالباته الضاغطة لتمرير قانون النفط والغاز الذي يمنحه حقوق سيادية على الثروات المعدنية لإقليم كردستان، وأيضا حسم ما يسمى بخلافات المناطق المتنازع عليها، والقبول الرسمي بتواجد قوات البيشمركة في هذه المناطق، إضافة إلى مطالباته بزيادة حصة الإقليم من الميزانية العامة، فإن معالم المشهد العراقي ستنجلي على وجهة مدفوعة للتصعيد الذي يراد من ورائه تسويات تحاصصية لا ضامن لها غير استمرارالتواجد الأمريكي في العراق، والذي لا يرفضه أي طرف من أطراف السلطة، لكنها جميعا تحاول جاهدة تفادي الوضوح في مواقفها من التمديد لمعرفتها المسبقة بأن أغلب أبناء العراق الأصلاء ينبذون من يطالب بالتمديد، لأنهم المتضرر الأول من استمرار التواجد الأمريكي في بلادهم.
بعد كل هذا، ماذا ننتظر من حكم صار فساده أشهر من نارعلى علم؟ ماذا ننتظرغير المزيد والمزيد من الفساد الذي هو وجه آخر للاستبداد؟ هل يتوقع الناس خيرا من طبقة سياسية طفيلية حاكمة بأمر من نصبها، وأحزاب وقوى هي نفسها تعرقل وضع قانون ينظم عملها ويلزمها بكشف مصادر تمويلها، أحزاب البعض منها لا يجد حرجا في تلقي تمويله المشروط من خارج الحدود، وأخرى جعلت من سرقة المال العام والتربح منه ومن نفوذها في السلطة، وسيلتها الأولى لتمويل استدامتها فيها، حيث شراء الذمم وترغيب المؤيدين والأنصار وتجنيد الميليشيات الطائفية والإثنية والمناطقية؟؟.
ماذا ننتظر من الفسدة حكام العراق؟.. جمال محمد تقي.. صحيفة العرب بريطانيا
