اعتدنا مشاهدة أو قراءة إعلانات مدفوعة الثمن من قبل شركات ودول وأحزاب،
وليس هناك غرابة في ذلك، إلا ان ما تم الكشف عنه قبل أيام في العراق يحتاج إلى وقفة إعلامية وليست إعلانية، إذ خصصت الإدارة الاميركية مبلغا كبيرا جدا للإعلانات الحكومية، وصل الى ملياري دولار اميركي سنويا، وهو مبلغ يقترب من ميزانية دول، ويبلغ ثلث ميزانية الاردن على سبيل المثال، وبدأت الرحلة الماراثونية في صرف هذه المبالغ قبل اكثر من ثماني سنوات،ولم تصرف هذه المبالغ اعتباطا، وإنما وضعها الاميركي بول بريمر في اطارها الخاص، وتم تحديد آليات صرف هذه المليارات، وتوزعت على أكثر من اتجاه، فقد كانت الخطة المرسومة لها، هو الترويج لما يسمى الديمقراطية الاميركية، الذي شرعت وزارة الخارجية الأميركية بالترويج له منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، معتقدة أن الأجواء و الترويج لهذه البضاعة في أفضل مراحلها،فقد انتهت المنظومة الاشتراكية بعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، وبشر بالحقبة الجديدة قبل ذلك بسنوات المفكر الاميركي فرانسيس فوكوياما، الذي قال في مقابلة معه (13 فبراير 1991) اثناء الحرب على العراق، قال ما نصه(لقد دمرنا العراق وفككنا الاتحاد السوفييتي)، وبشر فوكوياما بـ(العصر الاميركي الجديد)، وردد الكثير من الكتاب والمفكرين مصطلح (الألفية الثالثة)، على اعتبار أن القرن الحادي والعشرين سيكون أميركيا بامتياز، لهذا فان تهيئة الأموال الطائلة لصرفها في العراق، لم يكن تصرفا طارئا ولا طائشا، بل إنه أحد أهم مرتكزات المشروع الاميركي الكوني، الذي اعتقدوا انه سينطلق من العراق بقوة وعنفوان.
فكانت أولى خطوات الأميركيين في العراق الغاء وزارة الإعلام العراقية، ورمي آلاف الإعلاميين والفنيين وعوائلهم في الشوارع، وتركهم بدون اي مصدر للعيش، واضطر الكثير من هؤلاء للمطالبة بالتقاعد او صرف مستحقات لهم، وتظاهر البعض امام المنطقة الخضراء الاميركية ببغداد، وفسر الكثيرون ذلك الاجراء الاميركي خارج الهدف الجوهري، اذ اعتقد البعض انه جزء من التخبط الأميركي، الا ان الواقع يؤكد خلاف ذلك، فقد كان تجويع الصحفيين والاعلاميين العراقيين مرسوما بدقة متناهية، فمقابل التجويع كانت الأبواب مشرعة لافتتاح صحف واذاعات في المرحلة الاولى، ثم جاءت موجة الفضائيات التي ما زالت تتناسل في كل يوم، فخرجت الى فضاء الصحافة مئات الصحف بأسماء وعناوين كثيرة ومختلفة، وظهرت أسماء لم يسمع بها احد من قبل، والتحقت بالموجة الجديدة اسماء من العاملين في الصحافة العراقية، ومن بين هؤلاء كفاءات مشهود لها بالخبرة والمهنية، وحافظ البعض من هؤلاء على بصماتهم مهنيا وأخلاقيا ووطنيا،وانجر البعض الآخر الى الموجة الأميركية الجديدة.
لا يحتاج المرء الى بذل جهد كبير لمعرفة مصادر تمويل الغالبية العظمى من الصحف والإذاعات ومن ثم الفضائيات، ولم يتم الكشف عن مبلغ الملياري دولار التي رصدها الاميركيون سنويا لوسائل الاعلام في العراق والتي ما زالت مستمرة،إلا أن رائحة هذه الأموال تنتشر في كل مكان، ويلمسها المرء بسهولة، سواء من كلفة إصدار الصحف وإطلاق الاذاعات والفضائيات، او من طبيعة الخطاب الذي تتبناه وسائل الإعلام تلك، فالترويج كليا للمشروع الاميركي وان اتخذ مستويات مختلفة، والمديح لهم أولا وأخيرا، كما أن وسائل الاعلام التي ظهرت لم تتبن على الاطلاق ما يرفضه الاميركيون، ففي مقالات الرأي والأخبار والتقارير تجد أن كل فعل مقاوم للمحتلين هو (ارهاب)،وأن لا مشروع في العراق الا مشروع اميركا، وهذا دليل لا يحتاج الى نقاش،وعندما ظهرت صحيفة بسيطة في بداية الاحتلال اسمها (المستقلة) وصدر اول أعدادها في(1-5-2003) داهمتها القوات الأميركية وحطمت الحاسبات واعتقلت رئيس التحرير عبد الستار الشعلان وبعض العاملين، وذلك بعد شهرين ونصف من صدورها (المداهمة والاعتقال بتاريخ 21-7-2003)،لأنها رفضت مسايرة المشروع الأميركي وتبنت الخط المقاوم للاحتلال الأميركي، وتم وأد هذا المشروع في وقت مبكر جدا.
وقد يستغرب الكثيرون من طرق التمويل الاميركي المتنوعة للصحف والمجلات والإذاعات، فقد اخبرني بعض الزملاء المهنيين، أن هناك مندوبين من داخل المكتب الإعلامي التابع للسفارة الاميركية والقوات الاميركية، يحملون يوميا الأخبار والتقارير ويجولون على الصحف، ولكل خبر وتقرير ومقابلة سعره الخاص، وتقدم الصحف في نهاية كل أسبوع او شهر جردا بالأخبار المنشورة ليتم صرف المبالغ، كما استخدمت السفارة الأميركية - المكتب الإعلامي- طريقة اخرى، اذ يتم كتابة مقالات غالبا ما تكون بدون أسماء، وتتضمن تحليلات او هجوم على الجهات والشخصيات والأطراف المناهضين والرافضين للاحتلال الاميركي، وتمتدح هذه المقالات العملية السياسية،وعلى سبيل المثال روجت كثيرا لقانون إدارة الدولة (الذي تناسل عنه الدستور فيما بعد) وقبل عرض هذا القانون في شهر نوفمبر عام 2003، تم التبشير به في الصحف ووسائل الإعلام باعتباره الأساس للديمقراطية في العراق، وتواصل المديح له حتى بعد اقراره في مجلس الحكم الانتقالي في مارس 2004،بعد ذلك بدأت حقبة الترويج لما أسموه بـ(السيادة في العراق) ورسمت وسائل الإعلام تلك، صورة وردية وزاهية لحقبة ما بعد مغادرة بول بريمر(غادر العراق في 28- يونيو 2004)، وقالوا انها بداية حقبة مرحلة السيادة المطلقة في (العراق الجديد)، إلا ان المفارقة المضحكة أن السياسيين يتحدثون الآن وبعد أكثر من ثماني سنوات عن السيادة واحتمال حصول العراق عليها مطلع العام المقبل أي بعد الانسحاب الأميركي المفترص.
أن صرف أكثر من ستة عشر مليار دولار على إعلام مدفوع الثمن ولم يحقق هدفه المنشود، دليل آخر على فشل أميركا في مختلف الميادين، فقد تحولت كلمة الديمقراطية الاميركية الى مهزلة ونكتة سمجة، ليس في العراق فقط وانما في العالم أجمع بعد تجربتهم في العراق.
صحيفة الوطن العمانية
إعلام مدفوع الثمن.. وليد الزبيدي..
