في توقيت مريب، وعقب نجاح الضغوط الأجنبية الغربية في إقصاء السودان عن رئاسة منظمة الوحدة الإفريقية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية خطة لاستقدام قوات أجنبية للتدخل في إقليم دارفور غرب السودان بدلا من قوات الاتحاد الإفريقي. وكانت المفاجأة هي موافقة قيادة الاتحاد الإفريقي على الخطة الأمريكية رغم رفض السودان (نائب رئيس الاتحاد) للخطة، وتصاعد الأمر لحد إعلان جهات شعبية سودانية نيتها محاربة هذا التدخل الأجنبي إذا حدث.
والأغرب أن ذات الضغوط الغربية التي مورست على دول الاتحاد الإفريقي في دورته الأخيرة بالخرطوم يومي 23 و24 يناير 2006 لرفض رئاسة السودان للاتحاد الإفريقي، استمرت مرة أخرى - على حد قول وزير خارجية السودان لام أكول - بالضغط للقبول بوجود القوات الأجنبية، وهناك توقعات بأن يتم التصويت على مسألة استقدام قوات أجنبية للعمل في الإقليم بدلا من قوات الاتحاد العاملة هناك حاليا التي يبلغ قوامها 7 آلاف جندي، وتفتقد للتمويل، في جلسة "مجلس الأمن والسلم الإفريقي" التي تأجلت - بطلب سوداني - من الثالث إلى العاشر من مارس 2006.
والقوات المتوقع نشرها في دارفور، في حالة موافقة حكومة الخرطوم وصدور قرار من "مجلس السلم والأمن الإفريقي" في 10 مارس المقبل، تبلغ 15 ألف جندي، 7 آلاف من قوات الاتحاد الإفريقي و8 آلاف من دول مختلفة، ويعود نشرها لقرار مجلس السلم والأمن رقم 45 الذي انعقد في 12 من يناير 2006 الذي قرر فيه المجلس قبول إبدال قوات دولية في دارفور بالقوات الإفريقية من حيث المبدأ، على أن يتم القرار النهائي في اجتماع مجلس السلم والأمن على مستوى وزراء الخارجية في شهر مارس الجاري 2006.
ويبدو أن خطة التدخل الأمريكية / الأوروبية (القديمة) في دارفور التي تجدد الحديث عنها الآن ذات أبعاد خطيرة ربما لا تستهدف التدخل في غرب السودان فقط بزعم وقف الإبادة الجماعية في دارفور، بل قد تكون مركزا للانطلاق منه إلى السيطرة على منطقة القرن الإفريقي، بالنظر إلى الخطط الأمريكية المتعلقة بتوسيع نفوذها في إفريقيا إستراتيجيا والسيطرة على مناطق النفط الجديدة هناك، حتى إن خطة التدخل الأمريكية في دارفور – التي طرحت خلال جولة وزيرة الخارجية رايس الأخيرة – أقلقت القاهرة كونها تدخل في "الساحة الخلفية" لمصر وتمس أمنها القومي.
ولهذا لم تكن صدفة أن يعقد الرئيس حسني مبارك لقاء مع رؤساء مجالس الوزراء والشعب والشورى ووزراء الدفاع والداخلية والشؤون القانونية عن "تطورات الوضع في إقليم دارفور السوداني وسبل دفع التسوية في الإقليم من خلال المفاوضات" - وفق ما كشفته جريدة الأهرام الرسمية - قبل زيارة رايس مباشرة منتصف فبراير 2006، وأن تعلن القاهرة رفضها تدويل أزمة دارفور ونقل قوات حلف الناتو لها بدل القوات الإفريقية.
الأخطر أن خطة التدخل الغربية في دارفور أدت إلى انقسام كبير داخل السودان بين الشماليين والجنوبيين، حيث دعا رياك مشار نائب رئيس حكومة جنوب السودان سلطات بلاده إلى القبول بإحلال قوات دولية في دارفور مكان القوات الإفريقية بحجة أن "الأخيرة فشلت في مهمتها"، فيما أعلنت حكومة السودان والرئيس البشير وقادة جنوبيون آخرون رفضهم استبدال قوات غربية بالقوات الإفريقية ما يهدد التعايش السلمي الهش الحالي بين الشماليين والجنوبيين.
لماذا التدخل الآن؟!
((وتشير مصادر سودانية مطلعة إلى أن تهديدات التدخل الغربي في دارفور قديمة، ولكن التحول إلى مرحلة الفعل والتنفيذ الآن ربما يكون وراءها أهداف أمريكية وأوربية))، منها:
1 - دارفور أول فرصة حقيقية للولايات المتحدة للتدخل في السودان ومناطق إنتاج النفط الجديدة في إفريقيا بذريعة وقف الإبادة العرقية هناك، والظروف مهيأة لهذا التدخل حيث يأتي برغبة إفريقية ورغبة من متمردي جنوب وغرب السودان، وضغوط عديدة من منظمات إغاثة غربية وتبشيرية بهدف تطبيق نموذج مشابه للحظر الأمريكي على شمال وجنوب العراق تمهيدا لتقسيم السودان فعليا وإسقاط حكومة الإنقاذ التي أضعفتها نزاعات الجنوب والغرب والشرق، وتنفيذ سيناريو المحافظين الجدد القائم على "تفتيت الأطراف" كحل غير عسكري لهدم الحكم السوداني الحالي والسيطرة على المنطقة.
وقد ألمح المشير حسن البشير رئيس السودان لهذا ضمنا حين تحدث عن "أيدٍ أجنبية لها أهداف في دارفور وفي استهداف السودان في تحريك هذه الأجندة"، محذرا من أنهم "إذا نجحوا في مخططتهم في دارفور فسيكون ذلك النجاح الأول لتحقيق أهدافهم في السودان".
2 - التحرك الأمريكي والأوروبي للتدخل في دارفور راجع إلى ضغوط زعماء مسيحيين ويهود أصبح صوتهم عاليا في مطالبة واشنطن بفعل المزيد لوقف ما يسمى عمليات "الإبادة الجماعية" في دارفور، ويضغط على واشنطن لتتحرك قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم، خاصة بعد تشكيل ما سمي "تحالف إنقاذ دارفور" الذي يضم 150 جماعة دينية وإنسانية ومدافعة عن حقوق الإنسان، وبدئه في فبراير الماضي جولة تشمل 22 مدينة أمريكية لإلقاء الخطب لزيادة الوعي وحشد الرأي العام الأمريكي للضغط على إدارة بوش للتحرك في قضية دارفور، وذلك في إطار حملة موسعة لإرسال مليون بطاقة لبوش متعلقة بمشكلة دارفور. ويقود هذا التحرك تشارلز كولسون، وهو من الإنجيليين المتشددين، والحاخام ديفيد سالبرستاين، وهو رجل دين معروف في واشنطن بالدفاع عن قضايا ليبرالية، ويركز هؤلاء في سلسلة حواراتهم مع إدارة بوش على ما يسمونه "الكنيسة المضطهدة" خارج أمريكا وضرورة التدخل في السودان.
3 - هناك تفكير إستراتيجي أمريكي قديم - ألمح له الصادق المهدي زعيم حزب الأمة في وقت سابق - بشأن التحول إلى خلق منطقة نفوذ أمريكية جديدة يتم نقل القوات إليها بعد تصاعد الهجمات والانتقادات ضد القوات الأمريكية في الخليج، وأنسب مكان هو منطقة القرن الإفريقي لأهميتها الإستراتيجية في التحكم في مداخل ومخارج بحار ومحيطات، فضلا عن كونها منطقة بترولية بكرا لم يبدأ الإنتاج الحقيقي فيها.
4 - الضغوط التي تمارسها واشنطن على العديد من الدول العربية لمنع عقد القمة العربية القادمة في العاصمة السودانية الخرطوم لحد تقديم نائب الكونجرس الأمريكي فرانك بالوتبني من نيو جيرسي مشروع قانون يطالب بعدم عقد القمة العربية القادمة في السودان مؤيدا من قبل 36 نائبا من الأعضاء، وربما دفع الرفض العربي لهذه الضغوط بواشنطن للضغط على الخرطوم أكثر بفكرة استبدال القوات الدولية بالقوات الإفريقية.
دارفور ساحة قتال أوسع
والحقيقة أن هناك مخاوف كبيرة من اتساع رقعة ساحة القتال هناك منذ إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن دعوته لحلف شمال الأطلسي لكي يقوم بدور كبير في إنهاء النزاع المتفاعل في إقليم دارفور الواقع غرب البلاد، وترحيب الاتحاد الإفريقي بدخول القوات الأجنبية للعمل في الإقليم، متجاهلا الرفضَ السوداني لذلك بدعوى أن السودان فوض الاتحاد للقيام بتسوية النزاع في الإقليم بالصورة التي يراها، وترحيب حركات التمرد في الإقليم بقدوم القوات الأمريكية.
بعبارة أخرى هناك توقعات بأن يتحول إقليم درافور إلى ساحة قتال جديدة كالعراق تماما ضد القوات الأمريكية والأوروبية، بل صدرت تهديدات فعلية في هذا الصدد من جانب قوى سودانية عديدة، وتسريبات صحفية عن احتمال استهداف تنظيم القاعدة القوات الأمريكية في الإقليم في حال وصولها ما يشعل المنطقة أكثر ولا يؤدي للهدوء المنشود.
وقد أكدت صحيفة "الرأي العام" السودانية في تقرير نشر في فبراير 2006 أن تقارير أفادت بنية "تنظيم القاعدة" نقل عملياته الفدائية إلى دارفور في حال وصول قوات دولية إلى هناك، ونسب إلى قائد بالتنظيم قوله إن القاعدة جاهزة لتفعيل عملها بأرض دارفور "المسلمة" على حد تقرير الصحيفة!.
كما نقلت قناة "العربية.نت" عن الخبير الأمني العميد حسن بيومي (ضابط سابق بجهاز الأمن السوداني) أنه يجب النظر بعين الاعتبار لمثل هذه التقارير؛ لأن دارفور تبقى منطقة "منفلتة استخباراتيا وأمنيا"، ومفتوحة أمام الجميع للعمل على أرضها، كما أن السلاح متوفر في دارفور، وتصعب السيطرة على الحدود.
وربما تريد "القاعدة" أو المنتمون لفكرها توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة من خلال تسريب تقارير كهذه، خصوصا أن هناك نشاطا سابقا لها في إفريقيا عانت منه واشنطن عندما تم تفجير سفارتيها في كينيا وزامبيا، أو يكون هذا تسريب من عناصر سودانية إسلامية لتهديد الأمريكان وتخويفهم من القدوم لدارفور، وربما أيضا يكون تهديد القاعدة غير حقيقي وترويج هذه المعلومات يتم من جانب أجهزة استخبارات غربية ضمن سيناريو أمني عسكري في إفريقيا، ولكن دون إغفال أن هناك تهديدات فعلية من قوى شعبية سودانية بمحاربة أي قوات أجنبية في دارفور باعتبارها قوات احتلال، حيث بدأت الحكومة ومنظمات شعبية موالية لها بالفعل التعبئة العامة وتبني الدعوة للقتال في حال فرض قوات دولية على البلاد.
وكانت تقارير صحفية غربية قد أسهبت في الحديث في فبراير الماضي عن "بن لادن الإفريقي"، وهي الصفة التي يحملها هارون فاضل (فاضل عبد الله محمد) أو "أبو سيف السوداني"، المتحدر من جمهورية جزر القمر، ويحمل إلى جانب هويته الأصلية، جنسية كينية، وأشار موقع "إستراتيجي بيج" المتخصص في الموضوعات الإستراتيجية إلى أن واشنطن رصدت 5 ملايين دولار ثمنا لرأس "أبو سيف السوداني" الذي يسيطر على خلايا القاعدة في الصومال، وإثيوبيا، وإريتريا، وتنزانيا واليمن، وهي تقارير تحذر ضمنا من فتح القاعدة جبهة قتال جديدة إفريقية ضد أمريكا لو تم نقل قوات غربية إلى هناك.
معالم الخطة الغربية في السودان ربما باتت - مع التحرك العسكري نحو دارفور - إذن واضحة، فالمنظمات التبشيرية (التنصيرية) مع الجماعات الإنجيلية السياسية (المحافظين الجدد) تلعب دورها في تمهيد الطريق لاستجلاب تعاطف العالم والشعوب الأوروبية والأمريكية، وتمهد بذلك الطريق لاتخاذ الصقور في إدارة بوش وبلير وغيرهما قرارات التحرك بخطط عسكرية أو ممارسة ضغوط كثيفة هدفها في النهاية التدخل للسيطرة على المناطق التي ينوون التدخل فيها لأسباب مصالحية واستعمارية والسيطرة على ثرواتها.
((والخطورة الحقيقية أنه بينما يسعى السودانيون لإطفاء نار الحريق في جهة ما، بقبول شروط أو تقديم تنازلات، تفاجئهم أطراف لا تريد خيرا للسودان بإشعال الحريق في مكان آخر)).. فقبل أن يطفئوا نار جنوب السودان، أشعلوا لهم نار الغرب السوداني ودارفور.
والآن يتحدثون في الخرطوم عن بوادر إشعال نار الفتنة في الشرق السوداني، حتى إن تقرير مجموعة الأزمات الدولية بعنوان "السودان إنقاذ السلام في الشرق" الصادر في يناير 2006 يشير ضمنا لتوتر قادم في شرق السودان واحتمالات تدخل دولي آخر هناك!.
إسلام أون لاين
ما وراء الخطة الأمريكية للتدخل في دارفور.. محمد جمال عرفة
