هيئة علماء المسلمين في العراق

البنتاجون تسعى لعسكرة العالم إعلامياً.. محمد عبد الحليم
البنتاجون تسعى لعسكرة العالم إعلامياً.. محمد عبد الحليم البنتاجون تسعى لعسكرة العالم إعلامياً.. محمد عبد الحليم

البنتاجون تسعى لعسكرة العالم إعلامياً.. محمد عبد الحليم

يبدو أن وزارة الدفاع الأمريكية لم تعد تكتفي فقط بوضع الخطط والإستراتيجيات العسكرية فقط، لكنها تعمل على أن تكون الحرب الإعلامية جزءا من جوهر عملها حتى تقنع الداخل والخارج بأجندتها العسكرية. ورغم أن الشأن العسكري الأمريكي وتبريرات أمريكا المتعاقبة لما تفعله بالعالم يحتل الصدارة في مختلف وسائل إعلامها، فإن وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" وقف أمام مجلس العلاقات الخارجية المعروف بنفاذه لصناعة القرار الأمريكي يوم 17 شباط/فبراير 2006 متشككا في قدرات بلاده إعلاميا.

وعجيب ألا يكون هذا التشكيك منبعه ضعف الإعلام الأمريكي أمام نظرائه مثلا من الدول، لكن رامسفيلد لم يكن يقصد ذلك إذ إنه رأى أن الولايات المتحدة "متأخرة بصورة خطيرة" عن تنظيم القاعدة وأعداء آخرين فيما أسماه "الحرب الدعائية"، ويتعين عليها تحديث وسائلها "العتيقة" في المجال الإلكتروني.

رامسفيلد الرجل العسكري ينقل الإعلام العالمي كله إلى دائرة الحرب، نحن أمام حرب عسكرية وأخرى سياسية وثالثة اقتصادية ورابعة ثقافية حضارية، ومن ثم باتت الحرب الدعائية - وليست الإعلامية - هي رداء كل هذه الحروب!!.
لذا لم يكن غريبا على وزير الدفاع أن يتحدث أولا عن تنظيم القاعدة، ثم يتناول إستراتيجيته الدعائية الجديدة، زاعما أن "التحديث أمر حيوي لكسب قلوب وعقول المسلمين في أنحاء العالم الذين تمطرهم صور سلبية عن الغرب".

انطلاقا من هذه الرؤية وضع رامسفيلد الخطوط العريضة لإستراتيجية إعلامية جديدة وطرح أسلوبا جديدا لتعامل الجيوش الأمريكية مع الحرب النفسية ومع وسائل الدعاية، وأشار في عبارة بدت تبريرية إلى وجود تعارض وفرق كبير بين ما وصفه بالتناول المتردد للإدارة الأمريكية للأخبار المنشورة على شبكة الإنترنت، وما يحققه تنظيم القاعدة من نجاح في التلاعب بوسائل الإعلام.

رامسفيلد أبرز أقطاب "الحرب على الإرهاب" في الإدارة الأمريكية وضع حجر زاوية في بناء هذه الحرب قائلا: "في هذه الحرب بعض المعارك الأكثر حرجا لا تجري بالضرورة في جبال أفغانستان ولا في الشوارع العراقية بل في مكاتب التحرير في مدن مثل نيويورك ولندن والقاهرة وغيرها".

عسكرة الإعلام الأمريكي

التحديث، والهيمنة بملء المكان والزمان بالإعلام العسكري الأمريكي، والإعلام الموجه في شكل حملات دعائية، والتواجد في وسائل الإعلام العربي بشكل أكثر كثافة، ومأسسة هذا كله وعسكرته، تمثل مع التركيز على الإنترنت الخطوط الأعرض في الخطة الشاملة التي بشر بها رامسفيلد لمواجهة رجحان كفة إدارة المعركة الإعلامية لصالح "الإرهاب"، حيث اعترف: "تكيف أعداؤنا ببراعة على خوض حروب في عصر الإعلام الحالي، لكن بلادنا لم تتكيف". وأضاف منتقدا: "ما زالت الحكومة الأمريكية في معظم الأحيان تعمل مثل فايف آند دايم (متجر التجزئة الأمريكي العتيق) في عصر إي. باي (موقع المزايدات على شبكة الإنترنت)".

وفيما يتعلق بشيوع البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية ووسائل إعلامية أخرى لا تخضع لسيطرة الحكومات العربية، وضح أن هناك اتجاها إما لفرض رغبات الإدارة الأمريكية عليها أو على الأقل لبذل مساع تعزز حضورا قويا للأجندة الإعلامية الأمريكية فيها، حيث قال رامسفيلد: "رغم أن القاعدة وحركات متطرفة أخرى استخدمت هذا المنتدى طوال سنوات.. فإننا في الحكومة لم نكد نبدأ في المنافسة للوصول إلى مشاهديهم".

ويتضح أيضا نية الإدارة الأمريكية على التركيز في إدارة معاركها الإعلامية على الإنترنت - وهي بالفعل تقوم بذلك - وإخضاعها لمزيد من السيطرة والتوجيه، حيث يؤكد رامسفيلد أن من أسلحة حرب كسب العقول اليوم استخدام رسائل البريد الإلكتروني وأجهزة الهاتف المحمول وخص منها نوعا يعرف باسم "بلاكبيري"، والكاميرات الرقمية، والمدونات على شبكة الإنترنت.

وعندما يدعو رامسفيلد المصنف بحسبانه من غلاة المحافظين الجدد ذوي النزوع الإمبريالي العسكري إلى تمكين العسكريين الأمريكيين من الرد بسرعة وبشكل ملائم على كل خبر يصدر، فهو يكشف بجلاء عن أن الأدوار التي تقوم بها الجهات المدنية والخدمات التي تسديها للجهود الحربية في المضمار الإعلامي تبدو في رأيه غير كافية، ومن ثم بدت نزعة عسكرة للإعلام الأمريكي التقليدي في الإستراتيجية الجديدة تم النص عليها في خطابه والدعوة إليها كما وضح، وتكشفه روح باقي البنود والإجابات في مداخلاته مع الحضور.

وكما يكشف حديث رامسفيلد عن عدم ترك أي فراغ مكاني يمكن أن يملأه "العدو" عن رغبة ونية العسكرية الأمريكية للنزول بكل ثقلها في أي مضمار إعلامي وملئه مكانيا، فإن الإستراتيجية لم تهمل عامل الوقت وملء الفارغ الزمني أيضا، فقد أكد رامسفيلد على أن يكون العسكريون قادرين على الاتصال بوسائل الإعلام التي تعمل 24 ساعة على مدار اليوم و7 أيام في الأسبوع، منتقدا كونهم يعملون فقط 5 أيام في الأسبوع لمدة 8 ساعات، بل إنه أشار إلى استخدام سياسة الثواب والعقاب لتحفيز ضباط الشؤون العامة وذلك عن طريق ترقية البارعين منهم.

ولتحقيق ذلك الهدف، يوضح رامسفيلد أنه ضروري إما إنشاء مؤسسات أو مراكز لإدارة ومتابعة تلك العملية الإعلامية بما يتوافق مع الإستراتيجية الجديدة ويلبي احتياجاتها، حيث يقول: "نحن بحاجة لإقامة مراكز عمليات (تهتم بوسائل الإعلام) تعمل 24 ساعة في اليوم وتقدم إلى الإنترنت ما يوازي ما تقدمه لوسائل الإعلام التقليدية"، ورأى أنه لا بد من إنشاء مؤسسات جديدة لشن هذه الحرب العالمية الإعلامية الجديدة، تحل محل الأنماط القديمة مثل وكالة الإعلام الأمريكية أو إذاعة أوربا الحرة اللتين أنشئتا خلال الحرب الباردة.

وربما لم تخل عبارة واحدة من عبارات رامسفيلد الشارحة لخطوط الإستراتيجية من النص على أهمية الإنترنت والتواجد فيها بشكل أكثر كثافة، فقد تم النص مرات ومرات على خطر الإنترنت وأدواتها ومنابرها، مما يشير إلى المدى الذي تنوي العسكرية الأمريكية الذهاب إليه في عسكرة الإنترنت، أو بالأصح استرجاعها عسكرية؛ فقد نشأت كذلك في بداياتها لأغراض حربية وعسكرية بحتة ثم ما لبثت أن امتدت مظلتها لتشمل النواحي المدنية كافة.

هل هو غموض مقصود؟

رغم وضوح أهداف هذه الإستراتيجية، فإن الغموض يكتنفها كثيرا من حيث كيفية التطبيق أولا ومن حيث التوقيت ثانيا.

وبالنسبة للأمر الأخير، فإن حديث رامسفيلد بالطبع لا يخلو من اعتراف بالإخفاقات المتوالية والانتكاسات المتتابعة لجل السياسات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية؛ وهو ما يدفعها إلى محاربة آثار هذه السياسة ونتائجها، ليس في مضمارها الصحيح بتحسينها وتصحيح مساراتها، ولكن بمواجهة الإعلان والكشف عنها بإعلام مضاد، فقد شدد رامسفيلد على أن "الحقيقة إلى جانبنا" حتى لو كانت القاعدة قادرة على التلاعب بوسائل الإعلام!!.

وربما يكشف التوقيت عن أهداف أخرى غير معلومة لا سيما أن مسألة كسب القلوب والعقول هذه محل شك وتشكيك في رأي كثير من المحللين والمراقبين؛ إذ يرون أن تسريب الصور السلبية متعمد لخدمة أهداف مقصودة، ويتم ذلك وفق جدول زمني مرن، حيث إن مشاهدات ورصد هؤلاء لتوقيتات ظهور هذه الصور يبدو خادما في كل حالاته تقريبا للإدارة الأمريكية رغم ما يشوبه من وحشية وخزي!!.

وأما عن جانب التطبيق، فإن وزير الدفاع الأمريكي لم يكشف عن كيفية التحديث المنشود، وهي في ذاتها مسألة مثار تساؤل ولغز، فأمريكا بالفعل داخل حلبة الإنترنت ويمكنها التحكم والتدخل في المنتديات الإلكترونية، والبريد الإلكتروني ومراقبة المدونات، وتدير مع بعض حلفائها منظومة "إيشلون" الجاسوسية التي تقوم في البداية بكل هذه المهام بشكل آلي، ثم تخضع ما تقدمه من أرصاد للتحليل البشري، وتقدمه على طبق من ذهب لمراكز البحث ذات الصلة بمراكز صنع القرار. بيد أن رامسفيلد ربما يقصد التحكم أبعد من ذلك، إما عبر آلية تمنع الآخرين من الاستخدام كما يريدون، أو من الرد السريع عليهم، أو تشويه رسائلهم بأي صورة.

كذلك لم يقدم رامسفيلد أية إشارة واضحة إلى المقاييس الأخلاقية التي ستفرض على العسكريين خلال قيامهم بهذه الحملات الإعلامية. وهذه النقطة تحديدا رصدتها أكثر من جهة إعلامية منها وكالة الأنباء الفرنسية، مذكرة بأن الجيش الأمريكي تم اتهامه بدفع أموال إلى صحفيين لنشر مقالات تدافع عنه وعن ممارساته، ومع هذا دافع رامسفيلد عنها وانتقد الجدل الذي أثير حوله في الصحافة الأمريكية في ديسمبر الماضي 2005.

رغم ذلك، يعتبر رامسفيلد أن طرقه لم تتجاوز الخط الأحمر، ولا تعدو غير استخدام "وسائل غير تقليدية" لتقديم معلومة صحيحة إلى الشعب العراقي في مواجهة "حملة تزوير شرسة" كما قال في خطابه، ومن هنا انتقد رامسفيلد تناول تلك القضية؛ لأنها "قدمت على أنها في غير محلها، وقيل مثلا إن الجيش يشتري أخبارا في العراق". ولعل هذا يفسر هجومه على بعض الجهات الصحفية؛ لأنها تبدو كأنها تطلب "الكمال من الحكومة مع أنها لا تطبق المعايير نفسها على العدو وأحيانا لا تطبقها على نفسها".

أخيرا فإن كل التعليقات التي تلت الإعلان عن هذه الإستراتيجية تؤكد أن حديث رامسفيلد - الذي يعد شخصيا أبرز روافد الصور السلبية عن أمريكا حاليا - حتى لو لم يقله، فلا مكان لإضافة سلبيات جديدة على الصورة الأمريكية، بل إنه يمكن القول إن أمريكا ربما لا تحتاج عسكريتها لبذل كل تلك الجهود الإعلامية إلا إذا كانت فقط تريد أن تقنع نفسها أكثر وأكثر!!.

إسلام أون لاين

أضف تعليق