هيئة علماء المسلمين في العراق

هدر المال العام أخطر أنواع الفساد.. صباح علي الشاهر
هدر المال العام أخطر أنواع الفساد.. صباح علي الشاهر هدر المال العام أخطر أنواع الفساد.. صباح علي الشاهر

هدر المال العام أخطر أنواع الفساد.. صباح علي الشاهر

ما من مشهد يتسم بهذا القدر الهائل من العجائب والغرائب كالمشهد العراقي.، وما من بلد شاع فيه الفساد كالعراق، وما من بلد دمر على أيادي الأعداء والأهل والأصدقاء كالعراق ما من شيء غريب في العراق، وما من شيء لا يمكن فعله في العراق.
العراق ساحة للنهب، ومسرح مفتوح لممارسة القتل دونما حساب.
في العراق يد تبني وألف يد تخرّب.
في العراق يقول الساسة عكس ما يفعلون، ويفعلون عكس ما يقولون، ويخطئ من يتصور أن الناس يصدقون.
العراق البلد الوحيد في العالم الذي يُكلف مؤسسات الدعاية والإعلان، بإنتاج إعلانات تقول ان العراق وطن للعراقيين، والطالب يدرس في مدرسة، والفلاح يحرث الأرض، والشرطي يحفظ الأمن، والجندي يحمي حدود الوطن. تدفع الدولة مئات ملايين الدولارات مقابل هذا، ليس بسبب تأكيد هذه البدهيات التي هي غير معروفة من قبل الناس مثلاً، وإنما لأن مثل هذا العمل باب من أبواب الارتزاق، وهدر المال العام، سواء من خلال الإنفاق اللامعقول على هذه البرامج، التي هي غالباً ساذجة لحد مدهش، أو بتسويق الإعلانات المدفوعة الأجر، التي هي باب من أبواب الرشوة، رشوة المؤسسات الإعلامية بكل صنوفها.
ما الذي يستفيده العراق والمواطن العراقي من برامج ساذجة وغبيّة كهذه؟
لكم أن تتخيلوا مقدار ما أنفق على هذه الدعايات طيلة سنوات الاحتلال البغيضة، ومقدار ما دُفع لوسائل الإعلام لقاء نشر وبث هذه الإعلانات، ولا نبالغ إذا قلنا إن مثل هذه الاعلانات الساذجة كانت تنشر وتبث عبر مئات وسائل الإعلام، وعلى مدار الساعة.
حسبة بسيطة توضح أن البلد أنفق مئات ملايين الدولارات عبثاً، كأنه نثرها في الهواء، لكن الأمر ليس على هذا النحو تماماً، فقد أريد من عمل كهذا بناء مؤسسات لا وجود لها، أو خلقها من الصفر، من خلال الإنفاق المُفرط عليها، هذه المؤسسات أصبحت في ما بعد شركات تدخل في الإنتاج السينمائي، وإنتاج أشرطة الفيديو بالغة السذاجة والتخلف، ومؤسسات تهيمن على الشبكات العنكبوتية، والاتصالات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كانت هذه الإعلانات المدفوعة الأجر، وسيلة لشراء الذمم، والرشوة والإفساد، ودعم الإعلام الهابط، أو تعزيز وتقوية الإعلام المشايع للاحتلال وأمريكا، ونظرة بسيطة على وسائل الإعلام التي كانت تبث هذا الهذر، توضح بالدليل القاطع ألا وسيلة إعلام جادة، أو مناضلة، أو ذات مصداقية، شملها هذا الكرم الحاتمي الذي واصلته حكومات الاحتلال المتعاقبة.
بهذه الأموال المهدورة، كم مدرسة كان من الممكن أن تُبنى، علماً بأن آلاف المدارس في الأرياف وحتى في المدن ما زالت طينية لحد هذه اللحظة ؟
كم مستشفى ومستوصف يمكن أن يُبنى، علماً بأن العديد من المناطق والمدن العراقية محرومة من خدمات لا المستشفيات فقط، وإنما حتى المستوصفات والعيادات؟
والمؤلم أن هذا الهدر الذي لا نفع فيه ولا طائل من ورائه، مازال ولحد اللحظة مستمراً، وربما على نفس المنوال السابق.
مجالات هدر المال العام لا يمكن احصاؤها، وحصرها، إذ كل مجال ونشاط، حكومي أم غير حكومي (أهلي أو مدني)، اقتصادي (خدمي أم إنتاجي، استخراجي أم تحويلي أم تجاري)، سياسي أم ديني أم رياضي، كل ميدان مهما كان، هو في الحقيقة مسرح مناسب لمزاولة مهنة هدر المال العام التي اصبح لها اصول وقواعد، يتشطر فيها أصحاب اختصاص مُستحدث، لا يحتاج للاعتراف به من أحد.
يقول المسؤولون ان النفقات التشغيلية تصل لحدود التسعين بالمئة من الموازنة العامة، ولا يذهب الذهن عند البعض إلى أن العشرة بالمئة المتبقية هي للاعمار والبناء، إذ أن من ضمن العشرة بالمئة هذه الانفاق على التسلح، أو إعادة تسليح الجيش، علماً بأن الجيش العراقي وبفضل الاحتلال أصبح عاريا حتى من البندقية.
والنفقات التشغيلية هذه ليست هي الرواتب فقط، إذ من المعلوم أن الرواتب في الدول الريعية تحتل حيزاً كبيراً من الموازنة العامة، هذا إذا كانت الدولة مُعتمدة على جانب واحد (هو النفط) كحالة العراق، وإنما يدخل فيها ذاك الانفاق الجائر، الذي يدخل في باب نفقات أخرى، مفتوحة غالباُ، والتي هي وسيلة من وسائل النهب المنظم. الرواتب، والرواتب المجزية، حق لا نقاش فيه في أي دولة، فكيف إذا كانت الدولة ريعية، إي أن مصدر دخلها هو للشعب كله. إن الجدل الذي يثار أحياناً حول ضرورة تقليص الرواتب، وبالأخص الرواتب العالية ما هو بالعلاج الشافي، فالتقليص هذا مهما كان فإنه لا يشكل نسبة يُعتد بها، من نسبة الرواتب إلى النفقات التشغيلية، لكنه مهم، ومهم جداً من ناحية أخرى، ألا وهي تقليص الفجوات (التمايز الطبقي) بين الناس، إذ لا يعقل أن يتقاضى موظف، مهما كان منصبه، اضعفاف ما يتقاضاه موظف آخر، مهما تدنى مستواه، إن وجود حالة كهذه في أي دولة، يحولها من دولة إلى عصابة، مهمتها النهب.
لكم تبدو تمثيلة ساخرة تلك التي جرت أحداثها في قاعة البرلمان العراقي، حينما تبارى الخطباء بضرورة تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث، وإذا بهم في نهاية المطاف، ينقصون الرواتب ألفي دولار شهرياً في أحسن التقديرات، وكأن المشكلة تكمن هنا، كأن النهب الذي يتحدث عنه الناس في كون راتب الرئيس 14 مليون دينار، وأن العدل يتحقق إذا أنزل إلى 13 مليونا أو 10 ملايين حتى؟
كم يبدو احتفال البرلمان مضحكاُ بإنجازه هذا ؟
لو سألنا كم ستستفيد الموازنة من التقليص هذا فإننا سنكون أمام حقيقة مدهشة، وهي أن التقليص هذا في الرواتب لن يتجاوز سنوياً بضع عشرات من ملايين الدولارات.
لنقل مثلا ان راتب الرئيس العراقي ثلاثة آلاف دولار شهرياً، أي أنه سيضيف إلى الميزانية 36 ألف دولا سنوياُ، ولنزيد هذا الرقم أضعافاً باعتبار أننا لم نحسبها جيداً، ولنقل 100 الف، لكن هذا الرئيس طلب مليوني دولار نفقات سفرته إلى نيويورك لحضور الجلسة العامة للأمم المتحدة التي استمرت يومين، (أي ما يعادل كامل رواتبه لعشرين سنة)، وقد تبين لنا أن فخامة الرئيس اعتاد على طلب نفس هذا المبلغ في كل سفرة من سفراته.
الرئيس وطيلة رئاسته سافر إلى أمريكا وحدها عشرات المرات، وإلى إيران مثلها، وإلى الدول العربية والأجنبية، وحضور المؤتمرات والمحافل الدولية، ومنها اجتماعات الاشتراكية الدولية، حتى أن أحد المعلقين شبهه بماجلان لكثرة سفراته، فلو أحصينا سفرات الرئيس فقط، وضربناها بهذا المبلغ الذي هو المبلغ المعتاد طلبه من قبل السيد الرئيس، فإننا سنكون أمام حقيقة مذهلة، وأمام نموذج صارخ للفساد والهدر المريع للمال العام الذي يتساوى فيه جميع المسؤولين، لأنهم سكتوا عليه، وما سكوتهم إلا دليل على أنهم يفعلون عين ما يفعله السيد الرئيس، ولعل هذا يفسر لنا ولع السيد رئيس البرلمان العراقي بالسفر، الذي تجاوزت سفراته حدود المعقول وخلال فترة قصيرة من وصوله إلى هذا الموقع.
والأغرب أن الرئيس هو من يطلب مباشرة من وزير المالية دفع المبلغ الذي يقرره هو، ونفس الشيء يقال بالنسبة لسفرات الرؤساء الآخرين، رئيس الوزراء، ورئيس مجلس البرلمان، ترى ألا توجد طريقة معروفة في الدول الأخرى تحدد كيفية تحديد نفقات سفر الرؤساء؟ ثم لماذا لا يسافر الرؤساء بطائرات خاصة مملوكة للدولة، هل لا تسمح ميزانية العراق بشراء طائرة رئاسية توضع في خدمة الرؤساء الثلاثة، أو حتى أكثر من طائرة؟
ثم لماذا يستلم الرئيس المبلغ للانفاق على سفراته، لماذا لا يكون الانفاق عبر مؤسسة، تتشكل لهذا الغرض والأغراض المماثلة؟
فليرفع الغطاء عن منافذ ومسالك وطرائق هدر المال العام، في البلد الذي اضحى كل شيء فيه مباحاً، فهذه وسيلة أكثر نجاعة لحماية ثروات الشعب من ذلك الاستعراض البائس الذي اشغلنا به البرلمان العراقي، وكانت نتيجته تخفيض رواتب الرؤساء بضعة آلاف، في حين أنهم يشفطون المال العام شفطاً، وبطرق غير خافية على أحد.


.. صحيفة القدس العربي

أضف تعليق