العراق يشهد مأساة حقيقية تتستر وراء ديمقراطية زائفة لم تحقق للعراقيين شيئاً ملحوظاً، حيث فشلت في أهم الواجبات الوطنية وهي حماية المواطن العراقي من القتل العشوائي والجرائم المنظمة والإبادة البطيئة.
فشلت الحكومة في توسيع الأمن أبعد من المنطقة الخضراء التي يعيش داخلها معظم المسؤولين بعيداً عن ما يدور في الشارع العراقي المحتقن بالطائفية والثأرات والعنف غير المبرر والإرهاب المتواصل والقهر المعيشي.
ففي حادث واحد قُتل ما لا يقل عن 25 شخصاً في انفجار سيارة ملغومة وسط مشاركين في عزاء بمدينة الحلة التي تبعد 100 كيلومتر إلى الجنوب من بغداد، وكانت تتمتع باستقرار أمني نسبي منذ مدة طويلة، إلا أن القاعدة العامة والسائدة هي أن لا نجاة لمنطقة من عنف ما دامت الحكومة غير قادرة على فرض الأمن والنظام في العراق.
أين العلّة إذاً في عدم توفر الأمن طيلة السنوات الماضية؟ لا يختلف اثنان بأن الدور الأكبر في فرض الأمن هو من واجب الحكومة مهما كان تكوينها وتوجهها ومرجعياتها. فلا تُعفى حكومة من واجباتها الأساسية، إن كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية أو خليطاً بين الاثنين. وأولى بأن تكون الحكومات الديمقراطية أكثر حرصاً على تحقيق الأمن والاستقرار، فليس هناك عذر ولا مبرر أن تتخلف الحكومة عن واجباتها في أي دولة، خاصة في العراق الذي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والانتباه إلى وضعه الأمني بعد تغيرات كثيرة ومثيرة وخطيرة شهدتها حياته خلال السنوات الثماني الماضية.
فإذا كانت التكوينات الطائفية قد تسببت في كثافة العنف في مرحلة من المراحل فإن أصابع تميل إلى اتهام جماعات مسلحة ترتبط بقوى الاحتلال تعمل على تقويض الاستقرار النسبي الذي تحقق، لإيجاد المبرر السياسي والأمني لبقاء قوات أمريكية في العراق لتحكمه من وراء ’’ حجاب ’’ ويكون لها اليد العليا في تسيير أموره خاصة المتعلقة بالشؤون المالية والاقتصادية والنفطية.
فالاحتلال جاء ليبقى بصورة أو بأخرى، يريد أن يستكمل مهامه التي سبق أن طرحها في عدة مناسبات، على الرغم من تستره بشعار ’’ الحرب ضد الإرهاب’’. وقد كلفته الحرب أموالاً طائلة تفوق ال 700 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية، ولابد من استعادتها مضاعفة لأن الغزو لم يكن ’’ من أجل عيون العراقيين ’’ أو من أجل نشر الديمقراطية في العالم. الاحتلال لا يفكر بعقل إنساني أو صداقة مجردة أو مبدأ، إنما يفكر بعقل المصالح والحسابات والكلفة والربح والخسارة.
وقد ساد جدل طويل حول بقاء أو سحب القوات الأمريكية من العراق، ووقفت قطاعات عريضة من السياسيين العراقيين في الصف المعارض لبقاء تلك القوات تحت شعار ’’ استعادة السيادة العراقية ’’ إلا أن هناك قطاعاً لا يمكن تجاهل تأثيره، يرفض انسحاب القوات العراقية، وهو القطاع المدعوم من واشنطن التي تبحث عن الأسباب والذرائع لبقاء ’’ قوات ولو مدنية ’’ للتحكم في مسار السياسة العراقية تحت بند الحفاظ على الأمن والاستقرار.
كل تلك الأسباب تقف وراء العنف المتجاوز الحدود الطبيعية في مرحلة حساسة من عمر العراق. . والحكومة تدرك ذلك ولكنها عاجزة عن فعل ما يجب فعله، ولذلك عليها مراجعة الخلل الكامن في ’’ الصراعات الداخلية ’’ كي لا تصبح مبرراً للعنف المتزايد.
عنف بلا حدود في العراق .. افتتاحية..صحيفة أخبار العرب الإماراتية
