هيئة علماء المسلمين في العراق

دعوها فهي منتنة.. عبد الرحمن علي البنفلاح
دعوها فهي منتنة.. عبد الرحمن علي البنفلاح دعوها فهي منتنة.. عبد الرحمن علي البنفلاح

دعوها فهي منتنة.. عبد الرحمن علي البنفلاح

الأحداث الأخيرة في العراق هي من نوع الذي «تجعل الحليم حيران« ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة الهرج أي القتل بين المسلمين، واعتبره صلى الله عليه وسلم ظاهرة لبعد المسلمين عن الإسلام وهو من علامات الساعة التي حذر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس، وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوها؟ ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما منع قوم الزكاة إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط الله عليهم عدوهم فاستنفد بعض ما في أيديهم وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيهم إلا جعل الله بأسهم بينهم«. (رواه أحمد وابن ماجة).

هل هنالك تصوير وتشخيص للحالة العربية والإسلامية أصدق وأعمق من هذين التشخيص والتصور؟ وهل هناك أصدق من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد القرآن؟ فهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ويستقي معارفه وعلومه وثقافته من مولاه عز وجل، فالحق سبحانه وتعالى يقص على نبيه عليه الصلاة والسلام أحسن القصص، وهو يخاطبه بالأفعال المباشرة مثل: «أرأيت« و«ألم تر« وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً أثناء وقوع الحدث، متتبعا لأدق تفاصيله. إن الفتنة أشد من القتل كما قال سبحانه وتعالى: «واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل«. (البقرة/ 191).

والفتنة حين تبدأ لا تقتصر على من أحدثها أو تسبب فيها، أو شارك غيره في إشعال فتيلها بل تطول من لم يكن لهم يد فيها. يقول عز وجل: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب«. (الأنفال/25). وفي هذا النص الإلهي حفز للهمم بألا تتقاعس عن المشاركة في اخماد الفتنة، ودرء مفاسدها وشرها عن الأمة، وانه إذا كان هناك مجال وفرصة للوقاية منها قبل أن تبدأ ويتنامى شرها، وتعلو ألسنة لهيبها فذلك مما يدعو إليه الإسلام ويحض أتباعه عليه.

والمتتبع للهدي النبوي الشريف يرى بغير عناء حرص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم على حماية الأمة المسلمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويحذرهم من التهاون في سلوك أي فعل حرمه الشرع يؤدي لا محالة إلى الفتنة ويعين عليها، ولقد واجه صلى الله عليه وسلم في بداية عهده في المدينة محاولة لإشعال الفتنة بين قبيلتي الأوس والخزرج اللتين أنعم الله تعالى عليهما بالإسلام، ونزع ما في صدرهما من غل وحسد وبغضاء، ولكن اليهود الحاقدين لم يهنأ لهم بال وهم يرون أعداء الأمس أصبحوا إخواننا متحابين يؤثر بعضهم بعضا ولو كان بهم خصاصة، فقام رجل من اليهود بتذكير القبيلتين بأيام حروبهما، فغلت الدماء في عروق أفرادهما وهم حديثو عهد بالإسلام، فتواثبوا إلى السلاح فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج إليهم غضبان وقال لهم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فهي منتنة«.

نعم هذه هي دعوى الجاهلية وضلالاتها، يحذر منها رسول الله، صلى الله عليه وسلم أمته، وفي الحديث الذي صدرنا به المقالة يكشف صلى الله عليه وسلم أسباب هذا الداء الوبيل الذي سوف يصيب الأمة، ويشتت شملها، ويمزق وحدتها، ويجعلها لقمة سائغة لأعدائها، وسوف تتداعى عليهم الأمم كما يتداعى الأكلة إلى قصعتهم، ولم يكن ذلك لقلة عددها وقلة عتادها وثرواتها بل لأنها أصابها مرض الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

إن أحداث العراق الأخيرة ما كان لها أن تثور لو ترك العراق يحل مشاكله بنفسه من دون تدخل من محتل أيا كان جنسه، فأهل العراق أدرى بشعاب عراقهم من غيرهم، والدليل على ذلك أن هذه الأحداث، وهذه الفتنة الشريرة لم تظهر، ولم يتطاير شررها، ويعلو لهيبها إلا بعد أن دخل المحتل الأمريكي وأعوانه من الذين لا يريدون خيراً للأمة الإسلامية، وهم يحاولون بكل ما أوتوا من إمكانات أن يمزقوا وحدة العراق، وأن يثيروا العداوات بين الاخوة من السنة والشيعة، ولا شك أن الذين قاموا بتفجير المرقدين للإمامين من آل البيت بالتأكيد ليسوا أهل السنة في العراق، وأن الذين فجروا المساجد وقتلوا أهل السنة ليسوا هم الاخوة الشيعة العرب الذين تجمعهم روابط من الأخوة الإسلامية واحدة، ومصالح مشتركة.

نعم لماذا لم تحدث مثل هذه الصراعات قبل أن يدخل المحتلون أرض العراق، ويعملوا على ذر بذور الفتنة بين الشعب بطائفتيه السنة والشيعة، وكان الجميع يعيش في أخوة إيمانية، وفي وحدة وطنية لا تشوبها شائبة؟ ولكن لعن الله المحتل الذي يريد بالأمة الشر، ويسعى جاهدا إلى القضاء على أي مظهر من مظاهر الوحدة والسلام الاجتماعي.

إن الأمة لتستنكر أشد الاستنكار أحداث العراق، وتبرأ إلى الله تعالى من الذين كانوا السبب فيها، وتدعو الاخوة العراقيين من السنة والشيعة إلى أن يحافظوا على أعصابهم وهدوئهم وألا ينساقوا وراء المشككين ودعاة الفتنة وصناعها من المحتلين ومن يسير في ركابهم من الذين لا يريدون الخير للشعب العراقي، ويعملون جاهدين على تفتيته ونهب ثرواته واضعافه حتى لا يكون عونا لأمته الإسلامية لتحرير أراضيها من المغتصبين.

نحن على ثقة تامة بأن الشعب العراقي الأبي الذي طالما اجتاز محنا أصعب من محنته هذه لقادر بوعيه الحضاري، وبمناعته الإيمانية، على أن يتغلب على دواعي الفتنة وأن ينجو مما يراد له من أعدائه الذين تداعوا عليه من أجل القضاء على وجوده وعرقلة مسيرته الحضارية.

أخبار الخليج

أضف تعليق