تحدث الكثيرون عن استراتيجية الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في العراق، ومن يعود إلى الفترة التي ظهر فيها مصطلح استراتيجية بوش في العراق،
يكتشف أنه لم يتم تداول هذا المصطلح على نطاق واسع قبل بداية غزو العراق عام 2003، كما أنه لكي يظهر بتلك الوفرة بعد الانتصار الأميركي واجتياح العراق، وقد يستغرب الكثيرون عندما يعرفون أن الحديث عن (استراتيجية بوش في العراق)، قد بدأت أولى ملامح الحديث به وتداوله اواخر عام 2006، ثم اخذ مساحة واسعة اوائل عام 2007،ليحتاز مساحة واسعة خلال ذلك العام،وتلاشى بعدها.
فإذا كان الحديث عن استراتيجية - كما نفهم من تعريفها- وما تتضمنه من خطة بعيدة الامد لتحقيق هدف محدد،فإننا نكتشف أن الحديث عن استراتيجية بوش قد جاء في وقت متأخر،وتحديدا بعد ثلاث سنوات ونصف السنة،اما اوسع انشغال في الاوساط السياسية والاعلامية، فقد حصل بعد دخول الاحتلال الاميركي عامه الخامس في العراق، فماذا يعني ذلك؟ وهل توجد استراتيجية على هذه الشاكلة؟ أم أن القصد الخفي لهذه الاستراتيجية يعني خطط التخلي عن الهدف الرئيسي للغزو الاميركي للعراق، أي مغادرة هذا البلد، وإذا كان الامر هكذا، وهو الحاصل على أرض الواقع، فإن التسمية الدقيقة تكون ( خطط بوش للهروب من العراق)، وهذا يتضح بالدقة المتناهية من خلال الفترة التي ظهر فيها الحديث عن استراتيجية بوش، التي أرادوا من خلال تسميتها النفخ بقربة مثقوبة،الا انها تتظاهر بعكس ذلك لأنها قربة اميركية.
إن الأساس الذي اعتمدته استراتيجية بوش في العراق تتبنى خطة لا علاقة لها بالاستراتيجية - كما حاولوا الايحاء بها- لأنها بدأت في فبراير عام 2007، وأعلن بوش حينذاك عن خطة لإرسال 36 ألف عسكري أميركي إلى العراق، وهذا يعني أن هناك ارتباكا كبيرا داخل الجيش الأميركي، خاصة إذا تذكرنا ان الخطة الاميركية الاولى وكما أعلن عنها البنتاجون قبل الحرب عام 2003، ان قوات المارينز ستنسحب من العراق خلال عدة اسابيع، وتم الاعلان في ابريل عام 2003، ان جميع قوات المارينز التي انتشرت في العاصمة العراقية سيتم اعادتها الى الولايات المتحدة بنهاية مايو عام2003، الا ان الذي حصل ان خرج قائد قوات المارينز بتصريح قلب جميع الموازين في الثلاثين من مايو، قال فيه (لا عودة لاي جندي الى الولايات المتحدة من المارينز قبل وصول قوات بديلة)،ومنذ ذلك التاريخ،لم يتطرق احد من المسؤولين الأميركيين إلى مسألة عودة جنود أميركيين من العراق، ولم يتحدث أحد عن استراتيجية بوش في العراق، حتى قفزت إلى الواجهة بقوة مطلع عام 2007، فهل كان بوش طيلة السنوات السابقة للاستراتيجية بدون استراتيجية، أم أنه كان يتخبط في وحل العراق، ولا يعرف كيف يخرج من هذا المستنقع العراقي الكبير؟
صحيح أن استراتيجية بوش تعرضت لانتقادات كثيرة، الا ان بعض تلك الانتقادات كانت ذات صبغة سياسية، لأن أغلبها جاءت من الديمقراطيين، وطالما بشر هؤلاء بفشل خطة بوش الجديدة، ما يدلل على أن مخاوف الأميركيين انصبت على خطورة بقاء قواتهم في العراق، ومن بين تلك الأصوات ما طالبت به السيناتور الديمقراطية الأميركية "جان شاكوفسكي" بضرورة البدء في سحب القوات الأميركية من العراق، مؤكدة فشل استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق، واستدلت بذلك على ازدياد أعمال العنف في العراق رغم استمرار تدفق الجنود الأميركيين إلى وادي الرافدين، وفي فبراير عام 2007 نشرت مجلة فورين بوليسي، استطلاعا لخبراء السياسة الخارجية الأميركيين انتقد غالبيتهم خطة بوش، وموقف هؤلاء جميعا من استراتيجية بوش لم يتوقف عند الحلول الترقيعية التي يحاول بوش التعاطي معها في العراق، وإنما استعادوا دوافع الغزو وأهدافه المعلنة، التي لم يتحقق منها شيئا، فعلى صعيد المبررات فإن العالم تأكد من كذب ومزاعم أميركا بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية، كما أن هدف غزو العراق الرامي إلى القضاء على الأخطار التي تهدد الأمن القومي الأميركي لم يتحقق منه شيء، وعلى الطرف الآخر يتواصل النزيف الأميركي الاقتصادي والبشري في العراق.
قبل أن يلفظ عام 2007 أيامه الأخيرة، جرى تقييم أميركي للاستراتيجية الأميركية، وخلصت جميع الأطراف إلى الإقرار بالفشل الاميركي في العراق، وأكد جورج دبليو بوش في خطاب له في شهر سبتمبر من العام نفسه،على أن الهدف من إرسال المزيد من القوات لترتيب الأوضاع وسحب العدد الاكبر من القوات، إلا أن البعض حذر من مخاوف أن يستمر القتال لعشر سنوات أخرى، وهو إقرار أميركي بالخوف من الأوضاع في العراق، خشية أن يزداد الغوص الأميركي في الوحل العراقي.
اما المعيار الاساسي في فهم جوهر مصطلح استراتيجية بوش في العراق، فيمكن حصره في النتائج التي ترتبت على هذه الاستراتيجية، والمتمثلة ببدء الانسحاب الاولي منذ عام 2007، وإن كان على مستوى الوثائق وبعض المعدات، لينتهي بهم المطاف إلى بدء الانسحاب التدريجي عام 2008، وصولا إلى انسحاب واسع اواخر عام 2009 ومطلع 2010.
فكانت التسمية الأدق التي يفترض أن يتم استخدامها بدلا من هذا المصطلح الفخم، هي استراتيجية الولايات المتحدة للهروب من العراق،لأن هروب أميركا من العراق رسم استراتيجية لأمد طويل للأمبراطورية الاميركية، لن تخوض بعدها حربا أخرى بسبب قساوة الدرس العراقي والأفغاني.
.. صحيفة الوطن العمانية
هل امتلك بوش استراتيجية في العراق؟.. وليد الزبيدي
