تنهمك الادارة الأمريكية حالياً في التفاوض مع حكومة الاحتلال الخامسة بشأن بقاء القوات الأمريكية في العراق بعد الحادي والثلاثين من كانون الاول المقبل وهو الموعد النهائي الذي
حددته اتفاقية الاذعان لانسحاب قوات الاحتلال المزعوم من هذا البلد الجريح، ما يعني أن الرئيس باراك أوباما مستعد للإخلال بهذا الموعد .
وقد اثار هذا الموضوع اهتماماً واسعاً وكثيرا من الانتقادات لدى وسائل الإعلام وعدد من الصحفيين الأمريكيين، ومنهم ( جوستن ايليوت ) الصحفي والمعلق في موقع “صالون” الذي اكد ان نقاشا يدور الان في واشنطن حول ما إذا كان يتعين على إدارة أوباما أن تترك أي قوات في العراق، وكم سيكون حجمها، كما تجري مفاوضات بين الادارة الامريكية والحكومة الحالية برئاسة نوري المالكي حول هذه المسألة، حيث تنص اتفاقية الاذعان التي تم ابرامها نهاية عام 2008 على انسحاب جميع القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام الحالي .
واوضح ( ايليوت ) ان النقاش الرسمي الامريكي لا يتطرق إلى واقع أنه إذا ترك أوباما أي قوات في العراق، فسوف ينقض واحداً من أولى الوعود الكبرى لرئاسته، حيث ألقى أوباما في الشهر الثاني من رئاسته وتحديدا في شباط عام 2009 ، خطاباً حول العراق في قاعدة ( لوجون العسكرية ) بولاية كارولينا الشمالية قال فيه: “أعتزم إجلاء جميع القوات الأمريكية من العراق بحلول نهاية عام 2011 ، وسوف نستكمل في ذلك الموعد نقل المسؤوليات إلى العراقيين، ونعيد جنودنا إلى الوطن مكللين بالشرف الذي استحقوه” ، لكن اوباما يوشك الآن، على نقض ذلك التعهد.
واشار الى ان مسؤولين عسكريين وآخرين في الإدارة الامريكية كانوا قد تحدثوا عن ترك (17) ألف جندي من قوات الاحتلال في العراق، من اصل ( 45 ) ألف جندي لا يزالون منتشرين حتى الان في هذا البلد .
من جهتها اكدت صحيفة “نيويرك تايمز” في احدث تقرير لها ان تعهد أوباما الأصلي بشأن سحب جميع القوات الامريكية من العراق كان دائماً يوحي بشيء من تحويل الأنظار عن مسألة أخرى .. موضحة إن مجموعات متعددة ومتنوعة من عسكريين ومتعاقدين أمريكيين سيبقون في العراق لوقت طويل بعد نهاية عام 2011 اضافة الى عدد من العسكريين بالزي الرسمي الذين سيبقون في هذا البلد .
وقالت الصحيفة: “حتى عندما يقوم الجيش الامريكي بتخفيض عديد قواته في العراق، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الـ( سي .آي . إيه ) ستحتفظ بوجود كبير في هذا البلد، مثلها في ذلك مثل جميع المتعاقدين ألامنيين الذين يعملون لحساب وزارة الخارجية الأمريكية، اضافة الى الاعداد الكبيرة من موظفي سفاتها العملاقة في بغداد .. مشيرة الى ان الادارة الامريكية سبق وأن وضعت خططاً لتوسيع هائل لسفارتها في بغداد ولعملياتها، بدعم آلاف المتعاقدين الأمنيين شبه العسكريين، كما أنشأت مكتب تعاون أمني سيوظف فيه عاملون مدنيون وعسكريون بذريعة الاشراف على تدريب وتجهيز القوات الأمنية الحكومية .
من جهته تساءل المدون ( ستيفان والت ) بروفيسور العلاقات الدولية في جامعة هارفارد في مقال نشره موقع ( فورين بوليسي )، عما إذا كانت إدارة أوباما تحاول خداع الأمريكيين من خلال الإبقاء على وجود عسكري أمريكي مموه في العراق ؟.
وقال ( والت ) في مقاله الذي حمل عنوان ( قوات في العراق .. من نظن أننا نخدع ؟ ) : “إن إبقاء جنود أمريكيين في العراق قد لا يتطلب اتفاقاً أمنياً جديداً ليحل محل الاتفاق المنتهية مدته، لأن هؤلاء الجنود سيكونون مشمولين بالحماية ذاتها التي توفر للدبلوماسيين” .. مؤكدا انه لا يمكن خداع المتشددين المعادين لأمريكا في المنطقة، والذين يعتقدون أن الولايات المتحدة هي قوة إمبراطورية عدوانية تسعى إلى السيطرة على المنطقة بالقوة العسكرية.
وأوضح انه إذا ما تم سحب معظم القوات الامريكية، وترك العاملين لدى الـ( سي .آي .إيه ) وآلافاً من المتعاقدين، فان ذلك يعني ان امريكا تتظاهر بالوفاء في تعهدها بالانسحاب من العراق، وهذا سيجعل من السهل أكثر بالنسبة إلى أوباما أن يدعي أنه أنهى حرباً لا تتمتع بالشعبية .. مشيرا الى ان وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون ) لا تزال تدعي بأنه هناك ضرورة لترك قوات امريكية في العراق بذريعة ضمان استقرار الاوضاع في هذا البلد .
وفي موقع معهد ( كاتو ) للأبحاث، كتب المحلل ( كريستوفر بريبل ) مقالاً رأى فيه أن وجود قوات أمريكية في العراق لا يخدم المصالح ألامنية للولايات المتحدة، وقال: " قبل سنوات وتحديدا في عام 2006، كتبت عمود تحت عنوان ( من سيقرر متى ننسحب من العراق؟ )، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات ونصف السنة، لا نزال نجهل الجواب عن ذلك السؤال" .. موضحا ان جورج بوش الابن كان قد اشرف على المفوضات بشأن الاتفاق على سحب قوات الاحتلال من العراق في نهاية عام 2011 ثم مرره إلى خلفه باراك اوباما الذي خفض عديد هذه القوات إلى أقل من 50 ألفاً خلال صيف عام 2010، تمهيداً لإنجاز الانسحاب الكامل في نهاية العام الجاري، ثم تساءل بقوله : هل من الممكن أننا لن ننسحب حقاً؟ .
واكد ( بريبل ) ان الامريكيين سئموا هذه الحرب المهلكة التي لا جدوى منها، لان الذين هللوا في البداية لغزو العراق قالوا إنه سيكون نزهة سهلة، وإن كلفته ستغطى بواسطة عائدات البترول العراقي وليس بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين، الذين استهلكت هذه الحرب نحو 800 مليار دولار من اموالهم، كما حصدت أرواح أكثر من 4400 جندي أمريكي، اضافة الى مئات الالاف من الجرحى والمعاقين، الذين تكلف رعايتهم اكثر من تريليون دولار .
وخلص المحلل ( كريستوفر بريبل ) الى القول " ان المسألة الجوهرية هي أن اي وجود لامريكا في العراق ليس ضرورياً، وان بوش ارتكب أخطاء في العراق، بدءاً من قرار الغزو، فالبقاء في هذا البلد إلى ما لا نهاية لا يخدم المصالح الأمنية للولايات المتحدة، وإذا كان بعض الامريكيين مستعدين للموافقة على بقاء قوات أمريكية في هذا البلد، فان عددا قليلا جداً من العراقيين سيوافقون على ذلك " .
وكالات + الهيئة نت
ح
وعود باراك اوباما الكاذبة، والانسحاب المزعوم لقوات الاحتلال الامريكية من العراق
