منذ اللحظة الأولى لما بعد يوم 11 سبتمبر 2001 والأنظار كانت قد اتجهت إلى البيت الأبيض، العالم كله أخذ يجاري الابتزاز الأمريكي أملا في اتقاء شره،
وتفادي مضاعفات تماديه، الحرب ولا شيء غير الحرب، هل هناك أكثر من هذا التمادي تماديا، خاصة وأن العدو المفترض شبحي باسمه وعنوانه وأهدافه ودوافعه، حرب استباقية، حرب عالمية على الإرهاب الذي فشلت الأمم المتحدة في تعريفه، حرب مقدسة على أعداء أمريكا، حرب لا حياد فيها عندما يتعلق الأمر بالمنطق الأمريكي المحافظ، إما معنا أو ضدنا.
لم يغير 11 سبتمبر العالم كما يذهب السابحون بفضاء المركز الأمريكي، صحيح هزه وجعله متوترا وملتبسا طيلة العقد الماضي، لكنه لم ينتج عالما مختلفا بمضمونه عن عالم ما قبل ذلك التاريخ، لقد لبى حاجة أمريكية للزخم الذرائعي الذي يغطي نوبة الحملات العسكرية والاصطفافات التحالفية المنسجمة مع متطلبات التفرد الأمريكي بالهيمنة المعممة على العالم وبكل نواحي قواه الحاضرة والصاعدة، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا.
أما أسباب تصاعد نوبات صرع الحالة الأمريكية فإنها تعود إلى تاريخ سبق أحداث سبتمبر بسنوات، انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يشكل بامتدادته أحد قطبي المعادلة العالمية المتكرسة على مدى سبعة عقود خلت، جعل من أمريكا وجها لوجه أمام ذاتها وأمام العالم، لأن لقطبيتها المنفردة تبعات لا يمكن أن يتحملها اقتصادها المأزوم أصلا بسبب تعمق التناقضات الناتجة عن التعميم العولمي للاحتكار والسعي المطرد للتفرد بريعه، والتي نتج عنها وما يزال تنافس شرس، وإن بثوب ناعم، بين مراكز الاقتصاد العالمي التقليدية والحديثةـ أمريكا واليابان والاتحاد الأوروبي من جهة والصين، وبدرجة أقل الهند والبرازيل وروسيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا من جهة أخرىـ مما وضع الاحتكارات الأمريكية، وخاصة في مجالات صناعة الطاقة والأسلحة والمعلومات والغذاء والدواء، على محك يصعب عليها تحمله من دون حروب جديدة تنفس بها عن اختناقاتها المتصاعدة.
إذا كان هتلر مؤسس الرايخ النازي لا يرسل أي حملة عسكرية خارج حدود ألمانيا إلا وذريعتها قد سبقتها إلى آذان شعبه والعالم أجمع، فكيف سيكون حال مرسلي الحملات العسكرية الأمريكية إلى ما وراء المحيطات؟!
إن مطالعة متفحصة لأسباب ونتائج كل الحروب والتدخلات العسكرية الأمريكية المباشرة وغير المباشرة التي سبقت أحداث 11 سبتمبر، ستوصلنا حتما إلى الاستنتاج القائل بأن أمريكا كغيرها من الدول الإمبراطورية الإمبريالية، كانت وما زالت تستخدم الذريعة كوسيلة من وسائل التحشيد والتعبئة للدفع باتجاه التدخل والاحتلال، وإن لم تجد ما يسعفها منها فإنها تختلقها أو تبالغ في تبعاتها، هذا ما حصل في حروب كوريا وفيتنام وكمبوديا، وما حصل في تدخلاتها المباشرة في شؤون بنما وغرينادا، وما حصل من تدخلات غير مباشرة في شؤون إيران وشيلي والأرجنتين وفنزويلا ولبنان والصومال وغيرها من دول العالم.
كان الحصار الجائر والمدمر المفروض أمريكيا على العراق قد سبق أحداث 11 سبتمبر بحوالي عشر سنوات، كما كان التآمر على حركة طالبان متواصلا من خلال دعم الفصائل المسلحة الأخرى والتي فقدت مصداقيتها بين غالبية الأفغان، وكان الغضب الأمريكي قد نزل على الأفغان العرب بعد أن استهلكتهم أمريكا ذاتها في الحرب ضد التواجد السوفياتي في أفغانستان، خاصة وأنها قد اكتشفت أن هؤلاء يمكن أن يشكلوا خطرا على مصالحها ومصالح حلفيتها إسرائيل ومصالح أنظمة الحكم السائرة بفلكها في عموم منطقة الشرق الأوسط، إن عادوا إلى بلدانهم بروح الجهاد الإسلامي ضد الصهاينة وضد تبعية بلدانهم لأمريكا، ولم تنجح أمريكا وقتها بشحنهم ضد الروس في الشيشان أو ضد الصين حيث المناطق المسلمة، كل هذه الوقائع جعلت انبثاق تنظيم القاعدة ببعده السياسي والجهادي المتنامي بعدائه للأمريكان والصهاينة أمرا حتميا، وعندها فقط بدأت الحرب بين القاعدة وأمريكا وأتباعها.
يقول روبرت فيسك في مقالة نشرتها صحيفة اندبندنت: الغرب ظل يكذب على نفسه طيلة هذه الفترة، فأحداث 11 سبتمبر لم تغير العالم، ولكنها استخدمت لتبرير جرائمه بحق الشعوب المغلوبة على أمرها... وهم يتغاضون عن حقيقة كون فلسطين هي أهم الدوافع الدفينة لتلك الأحداث، عندما لا يجدون في القاعدة سوى أيديولوجية دينية، لا تحركها الدوافع السياسية، وكل ذلك لتفادي الإشارة إلى لصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كدافع للعداء الإسلامي للسياسات الأمريكية المناصرة بالمطلق لإسرائيل.
عشر سنوات قامت خلالها أمريكا باحتلال أفغانستان، ومن ثم العراق، وتقتيل وتشريد الملايين من شعبيهما بذريعة المسؤولية عن أحداث سبتمبر، وبعد اكتشاف أكذوبة ادعاءاتها، أخذت تختلق أعذارا أخرى لاستمرار احتلالها وفرض وصايتها على البلدين، لقد قتلوا ابن لادن، المتهم الأول بالتخطيط والتمويل لعمليات 11 سبتمبر، واعتقلوا كل المتبقين من ذوي العلاقة المباشرة بالأحداث، وسجنوا المئات من منتسبي القاعدة في أفغانستان، ومع ذلك فهم ما زالوا يحتلون أفغانستان ويمعنون بتقتيل الأبرياء فيها.
وبعد أن أصبحت أكاذيبهم على كل لسان بشأن العراق، حيث لا أسلحة للدمار الشامل ولا صلات بالقاعدة، ولا وجود لأي خطر حقيقي قد يشكله استمرار بقاء النظام العراقي على أمن أمريكا فهم ما زالوا يصرون على البقاء في العراق ولأغراض لا علاقة لها لا من بعيد أو قريب بأحداث سبتمبر، إنما لها أوصر العلائق بالمشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير.
الانفجارات الشعبية العربية الحاصلة وطبيعتها وما تنهمك به أمريكا وإسرائيل لفرملتها والاستثمار بها للحد من أي خروج عن بيت طاعتها تؤكد حقيقة ترابط المسارات، وحقيقة الطفح الحاصل بكيل المظالم الاستبدادية الداخلية والخارجية، فالأنظمة العربية الفاسدة منغمسة بأفسد علاقات التبعية للأمريكان والصهاينة، ولا ثورات حقيقية دون الخروج عن نسق الفساد والاستبداد الداخلي والخارجي.
ما زالت أمريكا تمعن باستثارة مشاعر الكره تجاهها في الشارعين، العربي والإسلامي، وما زال الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي هو المغذي الأول لكل أشكال الإرهاب في الشرق الأوسط ، أما الخطاب الإنشائي التصالحي لأوباما، فهو مجرد ذر للرماد في العيون، لأن السياسات الأمريكية ما زالت هي ذاتها قبل وبعد 11 سبتمبر، والدليل الموقف المشين من العربدة الإسرائيلية المتمادية باستهتارها بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة الحقيقية..
أمريكا منبع المظالم القائمة في فلسطين والعراق وأفغانستان والكثير الكثير من بقاع العالم، وكانت وما زالت الداعم الأكبر لحكم المستبدين من العربان قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر!.
أعوام هزت العالم!... جمال محمد تقي
