هيئة علماء المسلمين في العراق

مبادئ لا تتغير وأصوات لا يمكن إسكاتها...جهاد بشير
مبادئ لا تتغير وأصوات لا يمكن إسكاتها...جهاد بشير مبادئ لا تتغير وأصوات لا يمكن إسكاتها...جهاد بشير

مبادئ لا تتغير وأصوات لا يمكن إسكاتها...جهاد بشير

جميع اللاعبين في العملية السياسية من أحزاب وهيئات وأشخاص يتحملون مسؤوليات تخبط الحكومة في أدائها، والجرائم التي ترتكبها بموازاة هذا التخبط لتغطي عليه، لتظهر بمظهر تحسبه لائقًا بها، وهو أبشع ما يكون. ولربما يتصور المالكي ومن معه أنهم باستخدام مبدأ الإزاحة والحذف ومصادرة أفكار الخصم؛ يسيرون على الطريق الصحيح، وهو مجرد احتمال إن أقررناه نكون من الذين يمتدحون العملية السياسية ويبررون إخفاقات أقطابها، ولكن الأقرب إلى الواقع أنهم جميعًا يدركون أن سياسة إسكات الصوت المعارض سياسة فاشلة لا تزيد من أوضاعهم إلا سوءًا، ولا من صفحة تاريخهم إلا اسودادًا، لكنهم مع ذلك يمارسونها لأنهم عاجزون عن الخروج عن دائرة عبودية الاحتلال، وأسارى مشاريعه التي يرتبطون بها وجودًا وعدمًا.
يغفل أولئك دومًا عن حقائق عدة، وعلى وجه الخصوص عن واحدة من ركائز الحياة والديمومة، حقيقة متعلقة بسنة ربانية، هي أن الصوت المناهض ذا المبدأ الثابت والرأي المعتبر: كلمّا أُسكِت؛ علا، وكلما خُنق؛ تنفس، وكلما طالته أيدي متسخة؛ نما، وكلما تعرض لصد، ثبت.. والغفلة هذه آتية من كثرة التمادي والانغماس في مستنقعات الشر، التي لا تكون سببًا في عمى الأبصار فحسب، بل تفعل فعلها في إعماء القلوب، فيتحول الكائن الذي تطاله من تركيبة إنسانية في الجسد، إلى كتلة صمّاء، وآلة تُدار، لا تمت إلى الروح بصلة، ولا يربطها بالإنسانية وفطرتها رباط.
حكومة المالكي رغم أنها حكمت على نفسها من قبل بالانحطاط، إلا أنها تواصل سيرها في طريق معوج، تتخبط فيه خبط عشواء، والطريف في المشهد أنها لم تزل وبإصرار تتلقى هبّات متكررة من رياح الفشل العاتية التي لم تنفك تلطمها على وجهها. فعلى الرغم من فضحية الحكومة في حادثة النخيب، وما تعلق بها من فضائح أخرى في الرطبة، ومحاولة إذكاء شرارات من الطائفية بين محافظتي الأنبار وكربلاء، إلا أنها تواصل تسجيل أرقام قياسية في الفضائح التي تبتغي من كل واحدة منها التغطية على سابقتها وصرف نظر الناس عن التي قبلها، وكان آخرها جريمة اقتحام منزل الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة العلماء المسلمين، واعتقال عدد كبير من أهله وأقاربه وضيوفه.
وحيث لا يمكننا البدء من أول نقطة في الطريق ـ لأنها في هذه الحالة تستولي على المقام، ويطول فيها الكلام ـ فإنّنا سنتناول بضعة مشاهد ابتداءً من جمعة فجر المحررين حين خرج العراقيون على قلب رجل واحد، وبصوت واحد، متخذين من وشيجة بعضهم ببعض زادًا وعدة لمواجهة الإرهاب الحكومي الذي لم نجد له إدانة على جميع المستويات الإقليمية والدولية منذ أن خرج للعمل في رابعة النهار في ثورة الـ25 شباط، بعد أن كان يتستر في جنح الليل ويمارس جرائمه خلف قضبان المعتقلات.
قبل فجر المحررين بساعات، قُتل واحد من إعلاميي العراق الشرفاء، الذي كان له بالإضافة مع عدد كبير من إخوانه وزملائه فضل كبير في المشاركة في الثورات العراقية الأبيّة، وكانت حكومة المالكي تريد من مقتل (هادي المهدي) إرسال رسالة إلى أبطال فجر المحررين، تحمل صبغة إرهابية، وصيغة تعسفية، لإخضاعهم، وتراجعهم، وصرف أنظارهم عن الثورة، لكن الأمر صار على عكس ما كانت تريد، قد خرج إلى الساحات والشوارع العراقية بمختلف محافظات العراق أضعاف ما كنت الحكومة تتوقعه، حتى أمست قضية مقتل المهدي حديث الجميع صغارًا وكبارًا، وأسقط في أيدي الحكومة وأجهزتها، فقد ساهمت مساهمة فعّالة في إنجاح الثورة بعد أن كانت تريد وأدها.
ومن جميل ما حصل في جمعة فجر المحررين أن أبناء محافظة كربلاء هبّوا منتفضين ضد النفوذ الإيراني وتدخله السافر في شؤون العراق، من جهة، وأعلنوا عن غضبهم من الحكومة التي لا همّ لها سوى السرقة ونهب خيرات هذا البلد، بغية الانتفاع الحزبي والشخصي من جهة أخرى، وقد نشرت وكالات أنباء عراقية رسمية وغير رسمية طائفة من الشعارات التي ردّدها أهالي كربلاء في هذا السياق، متجاوزين لكل الاعتبارات الطائفية العرقية: [طاف المتظاهرون في شوارع كربلاء وهم يحملون لافتات كتب فيها: (لا للمحاصصة الطائفية)، (لا للإرهاب والقتلة)، (الإصلاح والتغيير بيد الشعب)، وقد رددوا هتافات منها : (يا شعب بعيونك شوف..  صار البوك على المكشوف)،  و(إيران تعبث بالبلد .. ولها حكومتنا سند) ] وغير ذلك من مظاهر التعبير عن واقع العراق الأليم. وبالطبع لم يكن الأمر ليروق لإيران أن تجد أهالي مدينة (مقدسة) تعتبرها تابعة لها؛ وهم يقفون بوجهها، ولم يرق كذلك لحكومة المالكي باعتبارها من أدوات إيران في العراق، فتمت معاقبة أهالي كربلاء بمجزرة النخيب التي أرادوا منها ضرب عصفورين بحجر، الأول الرد الصريح على الموقف الوطني والشجاع للكربلائيين، والآخر تأجيج صراع طائفي مع أبناء محافظة الأنبار، وهو ما بدت بوادره بعد أن أرسل المالكي قوات حكومية جعلها تنطلق من محافظة كربلاء، واعتقلت 20 مواطنًا من أهالي مدينة الرطبة بمحافظة الأنبار، ثم أمر صبيانه في حزب الدعوة بأن يقيموا مظاهر احتفال في كربلاء فرحًا باعتقال "الارهابيين" !
لقد كانت هذه الحركة وبالاً على المالكي وحكومته، فقد خرجت مدن الأنبار عن بكرة أبيها في مظاهرات يوم الجمعة الماضي، تضمنت الآتي:
أولاً: قام أهل الأنبار بأداء صلاة الغائب على أرواح الضحايا الذي قتلوا في جريمة النخيب، وأوصلوا إلى إخوانهم في محافظة كربلاء رسالة مفادها إنا معكم على الحلوة والمرة، وأن السياسيين الصفقاء لا يعبرون عن إيمان ومشاعر أبناء الشعب العراقي الواحد.
ثانيًا: المظاهرات في العراق عامة ـ التي كانت الحكومة تريد إنهاءها وتأطيرها بأطر غير التي خرجت لأجلها؛ وذلك باستخدام فئة من المشاركين في العملية السياسية الذين يقولون دومًا ما لا يفعلون، ويصرحون بما لا يستطيعون؛ فأخرجوهم بتجمعات تعبر عن شكر الحكومة، لكنها باءت بالفشل ـ عزّزتها مظاهرات الأنباريين الذين طالبوا وبكل إصرار بإطلاق سراح المعتقلين، فعرفت الحكومة أن لا طاقة لها أمام إرادة الشعب حين تكون كلمته واحدة، ومتعالية على الطائفية والعرقية التي ترقص هي دومًا على أوتارهما.
فماذا يفعل المالكي ومن معه إزاء هذه المحاولات الفاشلة المتكررة ؟  سيأتي الجواب بعد قليل.
في هذه الأثناء، وفي خضم الأحداث المتسلسلة والمتعلقة ببعضها، نجد أثرًا بارزً لقوة راشدة، ذات قول وفعل، ومبدأ وصوت، تنبع جميعها من إيمانها العميق وفهمها الدقيق، فكان موقفها واضحًا وجليًا ومعبرًا في كل مشهد من المشاهد الآنف ذكرها.
هيئة علماء المسلمين في العراق، كانت الأبرز في مواقفها، والأحكم في تحليلها، والأصوب في رؤيتها، فهي التي أشادت بجمعة فجر المحررين، وأعلنت أنها تؤيد المتظاهرين والثوار الذي خرجوا فيها وآزروها، وهي الوحيدة من بين جميع القوى ـ التي تزعم وقوفها  إلى جانب أبناء الشعب العراقي ـ  وصفت مطالب أهل الثورة العراقية بأنها مشروعة، وقد قالت الهيئة في بيانها الخاص بدعم ثورة فجر المحررين: [إن هيئة علماء المسلمين إذ تشد على أيدي أبناء شعبنا العراقي الذين خرجوا للتظاهر؛ فإنها تعلن وقوفها إلى جانبهم،  ودعمها لمطالبهم المشروعة].
والهيئة هي التي أدانت جريمة النخيب، وكشفت عن المجرم الحقيقي الذي يقف وراءها، فقالت: [إن هذا الأسلوب في ارتكاب الجرائم ما هو إلا امتداد لجرائم الاحتلال والحكومة الحالية وجماعات الإجرام التي ترعرعت على أيديهما والمعروفة بإيغالها بدماء العراقيين من اجل تحقيق مكاسب للمحتل ومنافع لأعوانه من أحزاب السلطة والأطراف المتوافقة على تجزئة العراق، ونهب خيراته].
وهيئة العلماء هي التي أدانت اعتقال أبناء الأنبار، وعدّت ذلك استكمالاً لجريمة النخيب وما رافقها من جرائم أخرى طالت أبناء العراق، ومن لطيف ما قالته الهيئة في بيان لها أصدرته بهذا الصدد: [وتشيد الهيئة بالمواقف الوطنية الخالصة التي أبداها أبناء محافظتي كربلاء والأنبار تجاه هذا الفعل المدان، التي تدل على وعي عالي المستوى بهذه المؤامرات والمخططات السوداء التي تقف وراءها جهات معروفة لأبناء شعبنا، وهي لا تريد للعراق والعراقيين خيراً، وتسعى لإيقاف حركة المد الشعبي المعادي لها والمتعاظم بعون الله تعالى. .. كما توصي الهيئة أهلنا في كربلاء والأنبار، وكل مكان من عراقنا النازف الصابر بضبط النفس والتحلي بالصبر وتفويت الفرصة على الأعداء المتربصين المتآمرين على وحدة شعبنا ووطننا، وتجنب ردود الأفعال العاطفية والأخذ بأسباب التعاضد والتواصل مع الجميع والتواصي بالخير؛ لتفويت الفرصة على من يريد ببلدنا وأهلنا الفتنة]
ولهذا أقدم المالكي وحكومة ـ على جهالة منهما ـ على اقتحام منزل أمين عام الهيئة الشيخ حارث الضاري؛ تحدوها أوهام بأن ذلك سيسهم في إسكات صوت الهيئة، والكف عن كشف جرائم الحكومة ضد شعبنا، وهذا هو الجواب عن السؤال الذي ورد قبل قليل في سياق حديثنا عن فشل الحكومة المتكرر.
وعلى ما يبدو فإن حداة العملية السياسية وأدواتها، لم يفهوا حتى الآن من هي هيئة علماء المسلمين، وقد يتمادى البعض منهم في جهله فيتصور أنها مجرد كيان يقوم بالأشخاص والماديات مثلما هي كياناتهم وأحزابهم، فإن هم ذهبوا بها ذهبت الهيئة ..! ولا يمر على خواطرهم أن الهيئة نظام وفكرة، ومبدأ وعقيدة، وروح تسمو فلا تقف حتى تعانق العلياء، وذلك جميعه مستمد من منهج رباني لا يزول بزائل، ولا يقف في طريق انتصاره عائق، أفيكون لبضعة نفر من العبيد تأثير عليها حين تطال أيديهم شيئًا منها ؟ لا، فالحق الذي تضطلع الهيئة بحمله وترفع صوتها لأجله، وتقدم التضحيات في سبيل علوّه، يصنع لها درعًا واقيًا يحول دون مساس أيدي النكرات والشراذم لها، وإن أهل العلم الربانيين فيها الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم وهم يخوضون جهادهم الدائم في سبيل نصرة الأمة وإعلاء راية الإسلام وأهله؛ لا يمكن لأسباب مادية صمّاء الذهاب بأصواتهم، ومصادرة مبادئهم، لأنهم ورثة أنبياء الله الذي تكفل لهم بالنصر والظفر، ولقد مرت على الهيئة خلال السنوات التسع الماضية أحداث عظيمة وأهوال جسيمة، لو مرت على واحد من أحزاب العملية السياسية لجعلته أثرًا بعد عين، لكن الهيئة صنعت من ذلك تاريخًا مجيدًا، وحاضرًا رشيدًا، وتسعى إلى مستقبل زاهٍ تكون هي ومن معها من جنود الحق أدوات إعمار هذه الأرض.
وعلى المالكي وزمرته أن يستعدوا للبحث عن زوبعة أخرى تغطي على فشلهم في محاولة إسكات الهيئة والضغط عليها، لأن فشلهم هذا عبّر بكل وضوح عن مدى السذاجة المشوبة بالشر التي يتحلون بها، وعن الجهل المطبق في معرفة مع من يتعاملون، إنهم يتعالمون مع قضية لا تفنى، مع أمة لا تعرف الالتفات إلى الوراء، فضلا عن التراجع، فهي تيسر برعاية الله وعلى بركته، ولسان حال الهيئة بشيوخها وشبابها إزاء ما يقوم به أزلام الاحتلال يترنم فيقول :
تبّت يداك أبا الجهـالة لن ترى.. عزمًا يخـور لصفعة الجبنـاءِ
أبـِـطاحَ مكة هل ذكرتِ بِلالـَنا ؟.. أَوّاهُ مــا أوفـاكِ من بطحـاءِ
ضجّت رمالُ البِيدِ واستاء الأمل.. ما ذلّ إيمانٌ على الرمضــــاءِ
و لقد يلينُ الصخرُ بعد صلابةٍ .. و يجودُ تَحنانًا بوفر عطــــاءِ

أضف تعليق