هيئة علماء المسلمين في العراق

في عالم تفترسه الأوبئة والجوع.. الديمقراطية ليست دائماً أفضل الخيارات.. علي قاسم
في عالم تفترسه الأوبئة والجوع.. الديمقراطية ليست دائماً أفضل الخيارات.. علي قاسم في عالم تفترسه الأوبئة والجوع.. الديمقراطية ليست دائماً أفضل الخيارات.. علي قاسم

في عالم تفترسه الأوبئة والجوع.. الديمقراطية ليست دائماً أفضل الخيارات.. علي قاسم

فى كتابه \"شبكات الفساد والافساد العالمية\" ركز بيتر ايجن رئيس منظمة الشفافية الدولية على عامل الفساد معتبراً إيّاه \"الشر الرئيس فى عصرنا\"، فهو \"يكشف عن وجهه القبيح فى كل مكان ويكمن فى جذور كل المشكلات ذات الأهمية تقريباً \"...\" ويحدث آثاره المدمرة فى مناطق العالم الفقيرة حيث يدع الكثير من ملايين البشر اسرى البؤس والفقر والمرض والصراعات واشكال الاستغلال الوحشية الأخرى\". بالطبع، هناك عوامل أخرى عديدة تعمق الأزمة، فى مقدمتها الصراعات المسلحة وسوء الادراة والدمار البيئى والسياسات التجارية التى الحقت الضرر بالزراعة، الى جانب التأثيرات السلبية الطويلة الأمد لأوبئة مثل الملاريا والايدز.

وكانت منظمة الانذار المبكر للمجاعات، وهى هيئة شكلتها وكالات إغاثة انسانية دولية، قد حذرت من أنّ الشعوب الأفريقية من النيجر فى وسط أفريقيا وصولاً الى الصومال على المحيط الهندى تواجه مخاطر الموت جوعاً، حيث أكدت أن أكثر من ثلاثين مليوناً يواجهون نقصاً حاداً فى الغذاء، يضاف الى ذلك عشرة ملايين طفل تحت سن الخامسة يموتون بسبب أمراض يمكن الوقاية منها.

الصور المأساوية التى تعرضها شاشات التلفزة لأطفال على حافة الموت تثير شفقة بعض الدول المانحة للمساعدات، إلاّ أن هذا السخاء، مهما بلغ حجمه، لن يقدم لشعوب الدول المنكوبة حلاً جذرياً.

نقص المياه هو العامل الرئيس المشترك بين البلدان المهددة التى تعتمد فى زراعتها على مياه الامطار أو الفيضانات وتفتقد وسائل الري المنظم. وليس من قبيل الصدفة أن تقع معظم الدول المنكوبة على حافة الصحراء الافريقية الكبري، حيث زحف الصحراء يهدد التربة ويفقدها خصوبتها.

والثابت أن الفتات الذى يقدمه أهل الكرم والسخاء لن ينقذ تلك الدول، فالحل يحتاج الى استثمارات ضخمة يتم ضخها على مدى سنوات عديدة. فالمجاعات، بحسب الاقتصادى الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سين، هى نتاج رئيس للفقر، وليس مردها عدم قدرة دولة ما على انتاج الغذاء. فالبلدان الفقيرة التى تعجز عن تلبية حاجة شعوبها الاستهلاكية "ليست قادرة على شراء ما يلزمها من طعام الأمر الذى يترتب عليه مواجهة خطر المجاعات".

العالم الغربي، مأخوذاً بنشوة الانتصارات التى حققها فى العقدين الماضيين على صعيد العولمة والانتقال من مجتمع صناعى إلى مجتمع معرفي، بدأ فى فرض شروطه وتطبيق معاييره على المجتمعات الفقيرة، ظناً منه أنّ ما ينفع "المريض" الأوروبى سيفيد فى حالة "المريض" الأفريقي.

حديث الغرب عن الديمقراطية باعتبارها شرطاً أسياسياً لتدفق الاستثمارات فى بلدان تفتقد للبنى الاساسية الدنيا وتفتقد لأبسط شروط الحياة، هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان. فالديمقراطية لا تستطيع ممارستها بطون جائعة وجيوش من العاطلين عن العمل!!. والخيار الديمقراطى ليس بالضرورة دائماً هو أفضل الخيارات عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد.

تستطيع الدول الصناعية الكبرى أن تساهم فى حلّ المشكلة جذرياً وذلك بتحمل مسؤولياتها:

أولاً: عن الدمار البيئى الذى لحق بتلك الدول.

وثانياً: بالتعويض عن الاضرار المترتبة عن السياسات التجارية الدولية.

وثالثاً: بالعمل الجديّ على مكافحة وباء الايدز والملاريا وتوفير العلاج المجانى لشعوب الدول المتضررة.

ورابعاً: بالغاء ديون العالم الثالث ومن بينها ديون الدول المنكوبة.

وخامساً: بمساعدة تلك الدول على الاندماج فى السوق العالمية عن طريق تسهيل دخول بضائعها إلى هذه السوق ثم عن طريق تقديم التكنولوجيا والخبرة العلمية والادارية اللازمة لتطوير اقتصادياتها.

(لا يكفى أن تقدم للجائع - كما تقول الحكمة الصينية - وجبة طعام من السمك، بل يجب أن نعلمه الصيد!!). والمجتمع الدولى قادر على انقاذ شعوب الدول الافريقية المنكوبة عن طريق حثّها على مكافحة الفساد وتطوير المؤسسات الادراية وضخ الاستثمارات، التى لن تشكل، مهما بلغ حجمها، سوى جزءاً بسيطاً من تعويض عن الاضرار التى لحقت بتلك الدول من جراء السياسات العنصرية والاستعمارية، ومن جراء عقود طويلة من الاهمال الذى حوّل الجنة الافريقية، كما عرفها الاوروبيون الأوائل، الى قارة يعصف بها الفقر!!.

العرب أون لاين

أضف تعليق