الألاعيب الغبية التى تمارسها الولايات المتحدة فى العراق، قد تستطيع ان تخدع بعض الناس كل الوقت، أو كل الناس لبعض الوقت، الا انها لن تستطيع، بسبب غبائها نفسه، ان تخدع كل الناس كل الوقت.
العراقيون قد يكونون انفعاليين، سريعي الغضب وقساة على بعضهم الا انهم ليسوا أغبياء.
لو كان الرئيس جورج بوش عراقيا، لما كان يمكن، لاسباب محض بيولوجية، ان يكون غبيا الى هذا الحد. القليل من ملح الأرض وبعض البكتيريا الخاصة والامراض الثقافية المعدية، كانت ستجعل دماغه يعمل بطريقة أفضل. وكذلك الحال بالنسبة للوثة العقلية المتحركة: دونالد رامسفيلد!!.
تفجير مرقد الامامين علي الهادي وحسن العسكري فى مدينة سامراء، ربما أقنع الكثير من الغوغاء، فى ساعة غضب، بان "تنظيم القاعدة" او احدى مجموعات المقاومة او جميع السنة، يقفون وراء الجريمة، ولكن العراقيين - اكثريتهم، على الأقل - سرعان ما أدركوا ان الاحتلال هو الذى دبرها، ليس لانه الوحيد المستفيد منها فحسب، بل لان تنظيم "القاعدة" نفسه ما كان سيجني لنفسه شيئا من استعداء العراقيين الى هذا الحد. وحتى ولو كان هذا التنظيم هو الذى نفذ الجريمة، فالشكوك، بالاحري، كثيرة للغاية، وهى ليست جديدة ابدا، فيما اذا كان هذا التنظيم يعمل، من الناحية الموضوعية، لحساب الاحتلال ويخدم أغراضه.
لهذا السبب، لم يُلق القبض على ابو مصعب الزرقاوي. ولهذا السبب، أُطلق سراحه "بالخطأ" حتى عندما القى القبض عليه فى الفلوجة العام الماضي، - كما اكد مسؤول كبير فى وزارة الداخلية فى وقت سابق لمحطة سي.أن.أن -.
ولكن حتى لو القى القبض على الزرقاوى غداً، وحتى لو ظهر على شاشة التلفزيون ليقول انه هو الذى خطط للهجوم، وانه نفذه بتوجيهات من ابن لادن شخصياً، وحتى ولو قدم وثائق واشرطة فيديو تثبت براءة عملاء البنتاغون من هذا العمل الشنيع، وحتى ولو ظهرت هالة ضوئية حول رأس بوش وهو ينفي تورط ادارته، فان أكثرية العراقيين سيظلون يلقون باللوم على الولايات المتحدة. حتى الطين الذى يلطّخون انفسهم به بأنفسهم سيلقون بمسؤوليته على عاتق واشنطن!!.
لماذا؟
لانهم، كان يا ما كان، منذ سالف العهد والأوان، ليسوا مغرمين بتصديق الأمريكان. ثمة ثقافة كراهية سائدة فى مختلف اوساط المجتمع العراقي، زادها الاحتلال سوءا، تجعل من المستحيل على أكثريتهم اعتبار الولايات المتحدة صديقا جديرا بالثقة.
صحيح، ان بعض المأجورين الصغار، نجحوا فى "اقناع" خبراء البنتاغون بما كانوا يريدون الاقتناع به، الا ان العراقيين، على سبيل المثال، لا يحبون اسرائيل. وهذه ليست فى نظرهم سوى "ربيبة" للولايات المتحدة. البعض يذهب الى حد اعتبار الولايات المتحدة نفسها "ربيبة" او "صنيعة" لاسرائيل، الا ان أكثريتهم يميلون الى الاعتقاد ان 110% من مآسى الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بما فى ذلك وباء الكوليرا الذى كان يصبهم من حين الى آخر، سببه الولايات المتحدة!!.
ولا تفعل الولايات المتحدة لسوء الحظ - أو حسنه بالأحري- عبر كل سياساتها فى المنطقة، سوى تأكيد المسبق والبديهى فى نظرتهم الى ما كانت تفعله كل الادارات الامريكية، فما بالك بما تفعله ادارة أكثر صهيونية من ارييل شارون؟!!
ولهذا السبب، فلو أوقدت واشنطن عشرة أصابعها شمعاً للعراقيين، فانهم لن يجدوا فى ذلك سببا للوقوع فى غرامها، او الثقة بسياساتها او التصالح مع ماضيها او النظر الى وجود جندى واحد من جنودها فى العراق على انه "مفيد"!!.
وهكذا، فحتى ولو "طلعت نخلة" برأس بوش او رامسفيلد فان ما يأملان بتحقيقه فى العراق لن يتم!!.
شيء من طبيعة البيئة الصحراوية وتقلباتها، وشيء من غطرسة التاريخ، وشيء من اعتداد البدوي بكرامته هو ما يجعل العراقيين "كالتيس فى قِراع الخطوبِ"، اذا ارادوا ان يركبوا رؤوسهم!!.
أشياء كثيرة يمكن تغييرها بالدبابات، ولكنى لم أسمع ابدا بدبابات نحجت فى تغيير طبيعة او ثقافة أى شعب من الشعوب.
ولسوف يسعدنى كثيرا، لو ان "العبقري" الذى يتولى قيادة البنتاغون، قال لى أين فعلتها دباباته من قبل؟!.
وقد يختلف العراقيون فى كل أمر. ويمكن لهم أن يتذابحوا أيضا، الا انهم فى آخر المطاف سيتفقون على شيء واحد يقولون فيه، ان الولايات المتحدة هى السبب.
البريطانيون لا يبدون أكثر حنكة فى التعامل مع العراقيين إلا لانهم يعرفون أكثر عن الطبيعة الاجتماعية لابناء هذا البلد. ومع ذلك فقد نجحوا بتحقيق شيء واحد فى آخر المطاف، هو الفرار!!.
ما من مصيبة كانت تصيب العراقيين، او بلوي، او حتى حادث سير، كالذى قُتل فيه الملك غازي، إلا وكان البريطانيون هم السبب فيه.
وبمقدار ما يمكن للاغانى والقصائد ان تعكس الثقافة الاجتماعية العامة، فقد كان مطرب أغان سياسية مثل عزيز علي يقول لهم ببساطة "مِنّه، مِنّه، مِنّه، كلها مِنّه، مصايبنا وطلايبنا كلها مِنّه"!!. وكان يقصد انه ما من مصيبة إصيبوا بها إلا وكان "ابو ناجي" -اللقب الشعبى للاستعمار البريطاني - هو الذى يقف وراءها!!.
وكان الإستعمار البريطانى مسؤولا بالفعل عن الكثير من البلايا التى أصابت العرب والمسلمين والعراقيين، ولكن يحق للمرء ان يشك فى جدية اتهامات الثقافة الشعبية التى كان يعبر عنها شعراء ذلك العهد ومغنّوه وقادة أحزابه.
أين المنطق فى ذلك؟
فى الواقع لا يوجد منطق.
العراقيون، مثل غيرهم من العرب والمسلمين، ليسوا شعب منطق. ولكنهم شعب كرامة.
كرامة العراقي، مثل كرامة الجزائرى والتونسى والاردنى والسورى والمصرى والليبى والمغربى والسعودى والكويتي....الخ، تسبق المنطق وتعلو عليه، وتحتل مكانا أرقى بكثير من مكانة الحساب والمصلحة. كلنا تيوس كرامة. وكلنا فى هذا الباب "كناطحِ صخرةٍ، ما ضرها، وأوهى قرنه الوعلُ". هكذا خُلقنا. وهكذا سنبقي.
عندما أدرك البريطانيون هذه الحقيقة، فروا؛ لانهم اكتشفوا انه لن يكون بوسعهم تقاسم أى مصلحة مع العراقيين على حساب كرامتهم. وهدر الكرامة شرط لا مفر منه من شروط أى استعمار، حتى ولو كان مخمليا. فما بالك بإستعمار همج وأغبياء وحمقى، لم تنطبق عليهم "نظرية داروين للنشوء" بعد، انحدروا الينا مباشرة دون تمهيد او مرحلة وسطي من فصيلة قرود "المحافظين الجدد"!!.
ولكن لن يطول الوقت حتى يدرك الامريكيون الحقيقة نفسها ليفروا هم أيضا. فهم حتى اذا كان قرودهم قد فعلوا كل شيء صح، - وهذا افتراض يمكن ان يضحك عليه رامسفيلد نفسه - فهم فعلوا ما يكفى لجرح كرامة العراقيين بحيث لن يكون لهم مكان فى هذا البلد أبدا.
للخروج من المأزق، ربما يتعين على الرئيس جورج بوش ان يعترف بالشيء الوحيد الذى تعرفه أمه عنه، وهو انه غبي!!. وليقول ان ادارته ارتكبت أخطاءً فى العراق تجعل من القرود فصيلة أرقى فى الفهم، وان هدم مرقد الأمامين كان عملاً تجاوز حدود الحماقة القصوي، وان الانسحاب هو الخيار الأفضل!!.
العرب أون لاين
جريمة فوق أخرى.. الاحتلال والكرامة وسوء الفهم.. علي الصراف
