هيئة علماء المسلمين في العراق

لإحداث التغيير في العراق ... د.عمر الكبيسي
لإحداث التغيير في العراق ... د.عمر الكبيسي     لإحداث التغيير في العراق ... د.عمر الكبيسي

لإحداث التغيير في العراق ... د.عمر الكبيسي

كان الحراك الشعبي وما سمي بعدئذ الربيع العربي يشكل بالنسبة إلى معظم المفكرين والمهتمين بالشأن العربي نقلة نوعية في التاريخ السياسي للأمة وظاهرة شعبية وثورية فاعلة شكلت احداثها ونتائجها في تونس ومن ثم مصر مفاجأة وإنجازا شعبيا عربيا غير مسبوق وغير متوقع للتصدي والإطاحة بأنظمة حاكمة راسخة بأساليب واجهزة سلطة قمعية ومدججة ومتمرسة عقودا من الزمن ويثمر هذا الحراك تحقيق التغيير ويصبح عابرا للحدود تنتقل صيغته الى اليمن وليبيا وسوريا ودول عربية أخرى ويحدث ما حدث .
من المؤكد ان طبيعة الحراك ومبرراته شكلت جذوة وشمعة مضيئة كما أثارت على عجالة حراكا لدى الأنظمة الحاكمة المتشبثة بالسلطة بكل الوسائل والقوى الدولية المتحكمة بهذه الأنظمة لضمان المصالح والمنافع لا يهمها في ذلك مصالح الشعوب او نهضتها، ومن المؤكد أن فيما يخص واقع النظام العربي الحاكم أن الولايات المتحدة والقوى الغربية والكيان الصهيوني مهتمة جدا بمصير هذه الانظمة التي تتفنن في وسائل بقائها او إزالتها وفقا لرؤى المصالح وهكذا تتحدد مواقف القوى الدولية المتنفذة من طبيعة الحراك الشعبي من نظام الى آخر ومن قطر الى آخر لتكون لها اختراقاتها واحتواءاتها لأي حراك وفقا لهذه.
وهذا ما يستوجب ان تدركه قوى الشباب التي يشكل حراكها صلب ثورات الربيع العربي والأمل كبير ان حراك الثورات الشعبية لا يمكن ان يستغل او يجير لصالح اعداء الشعوب او مخططاتهم مهما ابتدعوا من أساليب واحتضنوا من حركات سياسية لا تخفي اهدافها او افكارها أو توافقاتها، وبالتالي سيكون ثمن التغيير كبيرا وقد يحول دون تكوين دولة السيادة والتنمية المنشودة بل ربما ينتهي التغيير ببدعة كارثة الدولة الفاشلة او القمعية.
إن ما حدث في العراق بعد الاحتلال أمر مختلف تماما إذ من المؤكد ان الغزو العسكري للعراق عام 2003 بكل ظروف تكوينه وتنفيذه يكشف بوضوح انه مشروع تحطيم وتدمير واحتواء وليس مشروع تحرير ودمقرطة أو إسقاط دكتاتورية نظام او حاكم كما يدعون، وإلا لما كانت هذه النتائج الوخيمة ومخطط الإبادة الشاملة هو البديل للدولة العراقية العريقة التي استهدفها المحتلون.
واتخاذ ما حدث في احتلال العراق ذريعة للنيل مما يحدث من حراك شعبي في الوطن العربي أمر خطر لا يعكس الا طبيعة الاحتلال التدميرية للشعوب والأمم أينما حل، في حين ان الحراك الشعبي العربي اليوم نحسبه انه اداة فاعلة وناجحة كما اثبتت احداثه لتحقيق إرادة الشعوب للتغيير وتحقيق النهضة المنشودة التي لا تسر ولا تسمح بها قوى الاستبداد والاحتلال والهيمنة الدولية المتنفذة بمصائر الشعوب.
يكاد الحراك الشعبي العراقي المتنامي بفعل اصداء الحراك العربي في اقطار عربية اخرى له خصوصياته التي ينفرد بها عن غيره والتي يمكن ايجازها بالعناوين التالية:
أولاً - عوائق تنامي الحراك الشعبي العراقي:
أ- تبنى العملاء القادمين مع الاحتلال من احزاب المعارضة والتجمعات السياسية فرضية مبتدعة لتبرير عمالتهم بأن مشروع تحرير العراق هو مشروع تغيير وبناء للديمقراطية والاعمار والتنمية، وان الجيوش الغازية هي مجرد قوات صديقة جاءت لإنقاذ العراق من نظام البعث وكانت اكثر هذه الاحزاب مكراً وصلافة في تمويه البسطاء والعامة بهذه الذريعة هي الاحزاب الدينية الطائفية ومرجعياتها على النقيض مما تطرحه من فكر ديني يبدو في ظاهره هو الحل كما يرددون وشكل هذا الإشكال في الأذهان حقنة التخدير التي اسهمت بشكل كبير في امكانية الاعداد لحراك شعبي سلمي مناهض للاحتلال طوال سنوات عجاف وبقيت المقاومة المسلحة العراقية والمتسلحة بفكر الجهاد والتحرير والتغيير من الاحتلال التي انطلقت بشكل مبكر هي الواجهة الفاعلة للتصدي باستثناء بعض التظاهرات والمؤتمرات التي نددت بين الحين والآخر بأفعال وممارسات قمعية ارتكبتها قوات الاحتلال او عناصر السلطة او ما حدث في ملعب الشعب من مظاهر الاحتجاج خلال احدى المباريات الرياضية بكرة القدم بين فريقين عراقيين كانت برعاية القوات المحتلة، وكذلك ما اعقب حادثة منتظر الزيدي وقذفه الرئيس بوش بالحذاء من ظواهر شعبية ضد الاحتلال وحكوماته.
ب- كان لتفشي ظواهر العنف والفساد والصراع الطائفي والمحاصصة السياسية وغياب السلطة الفعلية وما سمي سياسة الفوضى الخلاقة اثر كبير في تأخر انطلاقة مظاهر الحراك الشعبي ومنها ظاهرة ان يأمن الناس في ظل هذه المظاهر على حياتهم ويتحملوا ظروفا صعبة املا في تشكيل سلطة منتخبة تحقق ما يصبو اليه المواطن من امن وخدمات تخفف من معاناته.
ج- القمع الفكري والتنظيمي للأحزاب المناهضة للاحتلال والاجتثاث والمساءلة والهجرة وثقافة التهميش والمظلومية والفراغ السياسي بعد سقوط النظام وتهميش الفكر الجهادي الديني والقومي، وضعف الثقافة السياسية لمفهوم الحراك الشعبي والمقاومة السلمية والمعارضة في الشارع العراقي، أدت مجتمعة الى تأخر انبثاق حراك شعبي او تنظيمات سياسية معارضة ذات نهج ثقافي معارض او مناهض بصيغ ديمقراطية في ظل هيمنة اسلحة القمع ومليشياتها وتنظيمات التكفير والصحوات ومجالس الاسناد واحتواء مجالس العشائر والشيوخ، الى جانب السلطة والكواتم والعبوات اللاصقة والاختطاف، اسهمت بظلالها وحالت دون انطلاق مظاهر الحراك الشعبي بالرغم من الفشل الذريع في تأمين الخدمات واعادة منظومة البنى التحتية للعمل في تأمين الكهرباء والماء والدواء والغذاء للمواطن.
د- كما أسهمت تفاصيل العملية السياسية والانتخابات المتعددة والخطاب الاعلامي المكثف بالوعود والآمال وصراع الكتل الحاكمة السياسية المنتخبة وتقمص بعضها دور المعارضة إعلاميا جميعا في التأثير السلبي في تأخر نشوء حركات شعبية ثورية معارضة تتبنى مطالب شعبية.
هـ- إصرار اجندة الاحتلال على إظهار عملية سياسية خاضعة لمحاصصة المكونات بمختلف الإغراءات والوعود واللعب على ذقون الناخبين في ضوء هذا التمثيل افقد الساحة العراقية وجود مشروع وطني معارض للعملية السياسية خلال السنوات المنصرمة بحجة ان عدم تمثيل اي مكون يعني حرمانه من امتيازات المشاركة خصوصا بعد تجربة القوى المناهضة للاحتلال والصدريين لانتخابات الدورة الاولى، كما افقد الساحة انطلاق أي نشاط لحراك شعبي إصلاحي كما هي الحال داخل العملية السياسية التي تحسب على السلطة.
و- إجراء الانتخابات والترويج لسمة الديمقراطية لها ايضا شكلا عاملا محبطا لتكوين تيار شعبي إصلاحي.
ز- من المؤكد ان الإعلام المضلل والمكثف لإدارة الاحتلال قد لعب دورا كبيرا في هذا المجال.
ثانياً: خصائص الحراك الشعبي العراقي:
أ- وجود الاحتلال كقوة عسكرية فعلية على الأرض العراقية وكقوة قرار سياسي فيه كان له اكبر الأثر في قضم اي بادرة للحراك الشعبي بشكل مباشر او غير مباشر تستهدف العملية السياسية.
ب- عدم وجود معارضة وطنية فاعلة وثابتة المواقف داخل العملية السياسية ذات قاعدة شعبية تستطيع توظيفها وطنيا بسبب ان تشكيل العملية السياسية اعد على اسس غير وطنية ولم يستقطب بشكل عام نماذج وطنية.
ج- النفوذ الإيراني الذي تتحدد مواقفه باستغلال ودعم الاحزاب الدينية الطائفية تحت سلطة ولاية الفقيه وذريعة مصلحة المذهب ويلزم الاحزاب الطائفية بالعودة الى الولي الفقيه في كل القرارات السياسية الخطرة.
د- قمعية السلطة وتفردها باستخدام القوى الأمنية والعسكرية والميليشيات.
هـ- سياسة شراء الذمم من خلال الفساد المالي والمخبر السري واستخدام المال العام وفساد القضاء .
و- الفراغ السياسي في الساحة بعد الاحتلال واجتثاث البعث واستهداف قواعده المكشوفة كأكبر قاعدة سياسية منظمة في الشارع العراقي قبل الاحتلال وبعده.
ز- فقد المشروع الوطني الموحد للقوى المعارضة والمناهضة للاحتلال تحت تنظيم واحد مما ادى الى حالة تشتت واجواء لا تشجع على تكوين او توظيف رموز سياسية جديدة. والسبب الرئيسي هو خلفية المسار السياسي للقوى السياسية العراقية التي تعاقبت على السلطة وشوائب هذه المسيرة التي تنعكس على الواقع السياسي العراقي بكل سلبياتها وتحول دون توحدها .
ح- حالة اللامسؤولية والإحباط لدى فئة الشباب المهمشة التي يشكل معظم طموحها الهجرة والتحصيل العلمي والمالي.
ط- المرجعيات الدينية والثقافة التقليدية السائدة في مفهوم الدين والسياسة وعلاقة هذه المراجع بالسلطة ونجاح الاحتلال في احتواء مواقف هذه المرجعيات والتنظيمات.
ي- حجم الهجرة والتهميش والاعتقالات والمعوقين والايتام والارامل والخسائر البشرية في المجتمع العراقي والفقر والجهل والأمية والمرض.

أضف تعليق