هيئة علماء المسلمين في العراق

الطفولة في العراق صرخة في ضمير الإنسانية ...د. مثنى عبدالله
الطفولة في العراق صرخة في ضمير الإنسانية ...د. مثنى عبدالله الطفولة في العراق صرخة في ضمير الإنسانية ...د. مثنى عبدالله

الطفولة في العراق صرخة في ضمير الإنسانية ...د. مثنى عبدالله

هي الحرب تلك التي أقضت بمآسيها مضاجع البشرية على مدى قرون. وكما هو التطور قد مسّ كل مناحي الحياة في العصر الحديث فقد مسّ وسائلها أيضا حتى باتت أكثر تدميرية من قبل، ولم تعد تأثيراتها مقتصرة على حملة السيوف والرماح كما كان من قبل، أو على مكان محدود بعينه، بل باتت لاتبقي ولاتذر خاصة في ظل السلوك العدواني والانحدار الأخلاقي الذي بات هو المتحكم الفعلي في مسارات السياسة في العالم. فقد أصبح برميل النفط أغلى ثمنا من الدماء الإنسانية البريئة، وباتت المصالح تشرعن التشوهات الخلقية للأطفال، حتى أمست الولادات بعين واحدة او بجسد دون أطراف أو بازدواجية الجنس نتيجة أسلحة اليوارنيوم الملقاة على المدن، كما هو حاصل اليوم في كل أنحاء العراق تقريبا، مجرد تحصيل حاصل للحرب أو من نتائجها المحسوبة كما يقول سماسرتها. ولقد كنا في العراق أول ضحايا ظلمة عالم مابعد الثنائية القطبية وسيادة القطب الواحد، فلم يسلم شيوخنا وأطفالنا من حصار جائر جعل الدواء والغذاء من المحرمات عليهم، حتى توج بالغزو الذي أباح قتل شبابنا وأطبائنا وضباط جيشنا وعلمائنا وأساتذتنا، وإلقاء جثثهم على قارعة الطريق وفي أماكن جمع القمامة، يرافقه مسلسل لايتوقف من الاعتقالات والاغتصاب في السجون السرية والعلنية، وتهجير وهجرة في دول الشتات وسط معاناة شظف العيش وذل الغربة.
لكن الجريمة الأكبر التي حصلت في العراق على رؤوس الإشهاد، وأمام مرأى ومسمع العالم المتحضر المدافع عن حقوق الإنسان، هي أغتيال الطفولة في العراق، والتي لم يستطع أحد لحد الآن تقييم أضرارها، ومحاولة النهوض بها. فالسلطة في العراق أبت أن تتولى المسؤولية الأخلاقية والشرعية والقانونية المترتبة عليها وهي تتصدر المشهد السياسي، وانكفأت إلى نحرها تلتهم ميزات المنصب، كما أن المحتل هو الآخر ذهب إلى تأمين مصالحه على حساب الشعب والوطن، فكان هو والسلطات المحلية وسائل فاعلة في هذا الانحدار الكارثي الذي أصاب عالم الطفولة.
أما المنظمات الإنسانية الدولية المختصة برعاية الطفولة فوضعها في العراق كارثي كالوضع العام. فلازال أفرادها حبيسي الفنادق ومكاتبهم الوثيرة ولايتجرأون على الخروج الطبيعي وملامسة الحياة اليومية للأطفال، خوفا من الاختطاف أو الابتزاز، وغالبية الدراسات والتقارير والأرقام التي يعلنونها ويعتمدونها، هي مجرد نسخ منقحة لتصريحات المسؤولين العراقيين ومؤسساتهم ومنظماتهم التي تتهرب من أعلان الحقيقة، كي لاتوصم بالفشل في أدارة البلاد.
ففي الوقت الذي بلغ عدد الاطفال الايتام مايقارب خمسة ملايين طفل أي نسبة 16' من عدد السكان، لازالت دور الايتام لايتجاوز عددها 19 دارا، أربعة منها في العاصمة بغداد والبقية في المحافظات الاخرى، والمشاهدة الميدانية لها تشير الى كارثية حياة من يعيشون فيها، بسبب أنعدام التخصيصات المالية وندرة الكوادر التي تتولى المسؤولية فيها، وتدني الرعاية الصحية والاجتماعية، أبتداء من الوجبات الغذائية مرورا بأماكن النوم وانتهاء بالسلوك المتبع في التعامل مع الاطفال. كما أن الزخم الحاصل في هذه الدور نتيجة عددها القليل ضاعف من شحة الخدمات المقدمة للقاطنين فيها، وبالتالي فأن الوضع العام فيها ساعد على تسرب الكثير من الأيتام إلى الشوارع مجددا، لتتلاقفهم أيدي مايطلق على تسميتهم ( المقاولين )، وهم أشخاص يمارسون العمل بالأطفال حيث أن كل واحد منهم يجمع عددا من الأطفال يتراوح بين 30-40 طفلا ثم يقوم بإطلاقهم صباح كل يوم في شوارع بغداد أو المحافظات، للعمل بالتسول و جمع القمامة لاغراض أعادة التصنيع، وغسل السيارات في الطرقات، وبيع حقائب التسوق والحلويات أو سحب العربات الخاصة بنقل البضائع، ثم يعود هذا المقاول لتجميعهم من الشوارع ليلا وينقلهم الى مقرات سكنهم وهي عبارة عن دور بالية جدا في أحياء بغداد القديمة مثل البتاوين وشارع الرشيد والتي لم تعد صالحة للسكن، وكانت قبل الغزو تستخدم كمخازن ورق وأحبار طباعة ومعامل أحذية، عندها يجمع المقاول الوارد اليومي الذي حصل عليه الأطفال من العمل، ثم يقوم بتقديم وجبة طعام بسيطة لهم ويتركهم ويغادر إلى داره.
ونتيجة اختلاف الفئات العمرية، وعدم وجود راع لهم، ونومهم في مواضع مشتركة فقد انتشرت حالات اللواط فيما بينهم، وباتوا يتسكعون في الأزقة القريبة من سكنهم طوال اليل، ويعرضون أجسادهم الغضة وأرواحهم البريئة إلى بعض المترددين على أماكن المجون في تلك الأحياء، مقابل حفنة من المال أو وجبة طعام أو علبة سكائر، مما أدى إلى انتشار مختلف الأمراض الجنسية بينهم، خاصة بعد تخويفهم من اللجوء إلى المستشفيات، وعدم وجود من يتولى عرضهم على الاطباء المختصين.
ويتوالى هذا الاستنزاف الجسدي والنفسي لهؤلاء الأبرياء حتى في عطلة نهاية الأسبوع، حيث يقوم المتولي عليهم ببيع جهدهم الى بعض التجار في المجمعات التجارية القريبة، لتحميل البضائع من سيارات النقل الى داخل المخازن أو تنظيف أماكن الخزن، مقابل أجور يتقاضاها هو بينما تكون حصة جهدهم وجبة طعام سيئة، كما عمد البعض من هؤلاء المجرمين الذين اجتثوا كل جذور الإنسانية من ضمائرهم، إلى انتقاء عدد من هؤلاء الأطفال وعزلهم في دور أخرى يخضعون فيها الى عمليات تثقيف على فعاليات الشذوذ الجنسي من خلال عرض الأفلام الإباحية عليهم، وتدريبهم على وضع المكياج وارتداء الملابس الداخلية الخاصة بالفتيات، وتزويدهم ببعض الادوية الوهمية التي تساعد على تكبير بعض أجزاء الجسم، ثم يتم عرضهم في سوق النخاسة والرذيلة للعيش مع الشواذ وأصحاب النفوس المريضة بحجة الخدمة المنزلية التي يقدمونها إلى عدد من الجنسيات الاجنبية في عدد من أحياء العاصمة، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 90 100 دولار تُدفع إلى والدة الطفل شهريا، وقد نجحت هذه الوسيلة في استقطاب عدد من شقيقات وأمهات هؤلاء الأطفال إلى نفس المستنقع، بعد أقناعهن بالعمل المنزلي الذي تبين أن له تبعات أخلاقية أخرى لاعلاقة لها بشرف العمل. كما اتسعت دائرة هذه التجارة المشينة ليتم تشكيل عصابات إجرامية منظمة بالاشتراك مع بعض سواق الشاحنات من دول الجوار، هدفها نقل عدد من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 13 -16 عاما وتهريبهم لأغراض الدعارة، بعد أيهام أمهاتهم بأنهم ملزمين بشراء دار لها بعد ثلاث سنوات من مغادرة طفلها. أما الأطفال في المحافظات العراقية الأخرى فلا تقل مأساتهم عن زملائهم في العاصمة.
فالتقاليد العائلية والعشائرية تقتضي من أخ المتوفي أعالة أبناء أخيه مما يشكل عبئا مضاعفا على العائلة المستضيفة لهم، وبالتالي فأن رب الأسرة يضطر إلى أطلاق أولاده وأولاد أخيه الأيتام الى سوق العمل الرخيص كي يستطيع القيام بالمتطلبات المعيشية، خاصة وأن القابلية التشغيلية في المحافظات أقل منها في العاصمة، كما أن المؤسسات الحكومية المختصة برعاية الطفولة تكاد تكون معدومة فيها، لذلك نجد بأن الغالبية العظمى من الأطفال والأحداث يعملون في معامل أنتاج الطابوق على الطريقة القديمة، التي تنفث سمومها القاتلة في صدور هؤلاء الأطفال يوميا، أو يتخذون من الطريق العام الذي يربط المحافظات بعضها ببعض أو بالعاصمة مكانا لعرض بضاعتهم البسيطة أو بيع الشاي في محطات الوقود وغسل السيارات، علما بأن غالبية عوائل الأيتام تتخذ من الخرائب ومعسكرات الجيش القديمة والمقابر أماكن سكن لهم، مما يجعل التفكير في المدرسة أمرا مستحيلا في حياتهم. وإذا كان هذا جزء من المأساة التي يعانيها الأطفال الأصحاء، فأن الأطفال (المعاقين أو المنغوليين أوالمصابين بالتوحد) باتوا اليوم أشبه بالموتى وهم أحياء بعدما أقفرت دور الرعاية من الرعاية المخصصة لهم، وتقلصت المدارس التي كانت ترعاهم وتعلمهم نطق الحروف وتنمي مواهبهم في الرسم والموسيقى، وحتى تلك التي لا زالت موجودة فأن ذوي الأطفال باتوا يخافون إرسال أطفالهم إليها كونها بعيدة، ولايتوفر الأمن اللازم في الشوارع والطرقات، فباتوا حبيسي منازلهم ليل نهار.
أما مأساة الأطفال المرضى فهي أعظم من كل المآسي في ظل الفساد الإداري الذي يعشش في كل زاوية من زوايا المجتمع، فالمراجعة الصحية خاصة للأطفال تتطلب نثر المزيد من الأموال لهذا الموظف الصحي وذاك الإداري، بالإضافة إلى غياب الكثير من الكوادر الطبية المتخصصة في الأمراض المستعصية التي يعانيها الأطفال، وعطب العديد من الأجهزة الطبية التي تساعد في التشخيص، وندرة الأدوية والمستلزمات الطبية، وفقدان الرحمة والشفقة المطلوبة لهذه الشريحة من المجتمع.
وقد ازدادت الإصابة بالأمراض السرطانية بين الأطفال بشكل ملفت للنظر، خاصة منها سرطان الدماغ الذي شكل نسبة كبيرة في المحافظات الجنوبية والغربية، ولم يعد أمام المستشفيات سوى أعطاء الأدوية الكورتيزونية لهم لتخفيف الشعور بالألم انتظارا للموت المحقق، حيث يجري التعامل معهم على أنهم الحلقة الأضعف في المجتمع والتي يمكن التفريط بها أمام الحلقات الأقوى كالأب أو الأم مثلا.
وعلى الرغم من أن بعض المنظمات الخيرية تدخلت لعلاج هؤلاء في الخارج الا أنها واجهت مشكلة التواصل العلاجي معهم في الداخل. فقد قام الفريق العربي الأوروبي لإنقاذ أطفال العراق، ومنهم كاتب هذه السطور، بأجراء عمليات جراحية لاستئصال سرطان الدماغ لخمسة وسبعون طفل في عدد من الدول الأوروبية ولازال أكثر من خمسمائة طفل أخر مصاب بنفس المرض مسجلين لدينا، الا أن المشكلة التي واجهتنا كانت مواصلة الرقابة والمعاينة لهم في العراق وتقديم الأدوية والعلاجات المطلوبة، وعندما تطوع لهذه المهمة طبيبان عراقيان مختصان بجراحة الدماغ وعادا للعمل في العراق، فأن أحدهما قتل حال خروجه من عيادته في بغداد في نهاية العام الماضي، أما الثاني فقد قتل في نيسان أبريل الماضي هو وأبنته التي تطوعت معه، بعد أن تم تسليبهم المساعدات المالية والأدوية التي كانت مخصصة للأطفال، كما تعرض الفريق إلى ضغط من أحدى الجهات المرتبطة بالسلطة للتخلي عن مهمته الإنسانية، وتحويل الأموال المخصصة للعمليات الجراحية إلى تلك الجهة كي تتولى هي المهمة كما أدعت بذلك.
أن إحصائيات اليونسيف التي تقول بأن نسبة الأطفال القتلى قد شكلت 8,1 من مجموع الضحايا في العراق خلال الاعوام الثلاثة المنصرمة، مضافا إليها التسرب الكبير من مرحلة التعليم الابتدائي، ووجود نسبة عالية من الأطفال تحت خط الفقر في أغنى دولة نفطية، فأن ذلك يمثل ناقوس خطر كبير يواجه المجتمع العراقي الذي تشكل الطفولة فيه البنية التحتية اللازمة لإعادة نهضته، لكن السلطة وجهاتها المسؤولة أبعد ماتكون عن النهوض بهذه المهمة. ففي الوقت الذي يوجد في بغداد فقط أربعة دور للأيتام أمام هذه النسبة العالية من المحتاجين اليها، فأن عدد الملاهي والنوادي الليلية في العاصمة بغداد قد تجاوز الخمسمائة وهي أمام أعين السلطات وبموافقتها، مما يؤشر الى عظمة الخلل وضياع البوصلة الضرورية للنهوض المجتمعي، وعدم القدرة على وضع الأولويات في سياقتها. أن أطفال العراق ليسوا متسولين في دولة فقيرة الموارد ويستحقون قطعة خبز أو علبة حلوى، لكنهم بحاجة ماسة الى تنمية حقيقية تنقلهم من واقعهم البائس، وحكومة تعرف كيف تستثمر فيهم كي يكونوا عماد المستقبل، لكن ذلك مفقود تماما في ظل السلطة الحالية.

' باحث سياسي عراقي

أضف تعليق