هيئة علماء المسلمين في العراق

معالم انتصار بغداد ....... جهاد بشير
معالم انتصار بغداد ....... جهاد بشير معالم انتصار بغداد  .......  جهاد بشير

معالم انتصار بغداد ....... جهاد بشير

لم يكن الخطيب البغدادي رحمه الله ليكتب عن (تاريخ بغداد) عبثًا، أو ينشئ آلاف الصفحات في كتابه الشهير لمجرد الكتابة، بل وضع أسسًا استقاها من وقائع حية وحاضرة، عاشها وشهدها كل الثقات الذين نقل عنهم الأخبار والمزايا التي اتسمت بها بغداد. ومن أكثر ما يميز (تاريخ بغداد)، أنه يعد بمثابة معالم في عصرنا الحاضر تؤكد أن مآل عاصمة الدنيا هو الانتصار، ولا شيء غير الانتصار، حتى وإن حسب البعض ـ واهمًا ـ أن الظلمات التي أطبقت في سمائها اليوم ما لها من زوال، وأن الغرباء الذي جاسوا شوارعها، ودنسوا بيوتها، وشوهوا جمالها، ولوثوا هواءها؛ ما لهم من رحيل. ولو هيأ الله لأصحاب هذه الأوهام ـ التي اتخذها البعض مبررات للتثبيط والقعود ـ أن يطّلعوا على ما كتبه الخطيب، لأصبحت نظرتهم مختلفة تمامًا، ولقاموا من فورهم ليبحثوا عن أماكنهم في معسكر جنود الرحمن الذين سيكتب الله على أيديهم انتصار بغداد.

ومن اللطيف أن يقف المرء عند مقولة تصف بغداد، وتبين سنن الله تعالى في انتصارها على كل من أراد بها سوءًا على مر العصور، يقول الخطيب البغدادي: [قال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي: ثم إن بغداد سميت حين سُكنت؛ (مدينة السلام)، فليس في الأرض مدينة علي هذا الاسم غيرها، وكان بعض إخواننا إذا ذكرها يقرأ قول الله: { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌ غَفُورٌ}، قال أبو الحسين: هذا إلى تركنا ذكر أشياء كثيرة من مناقبها التي أفردها الله بها دون سائر الدنيا شرقًا وغربًا...ٍ] ويسترسل أبو الحسين في ذكر محاسن بغداد، وأهلها، وبيوتها وأزقتها، وأنهارها، وثمارها، حتى يطبع لدى القارئ تصورًا  بأنها جنة الله في أرضه، وهو في ذلك صادق ومصيب.

ولعل أروع ما قاله ابن المنادي في نعته بغداد ما نصه: [فهي من خزائن الله العظام التي لا يقف علي حقيقتها إلا هو وحده، ثم هي مع ذلك منصورة محبورة، كلما ظن عدو الإسلام أنه فائز باستئصال أهلها؛ كبته الله، وكبه لمنخريه، واستؤصلت قدرته بما ليس في تقدير الخلق أجمعين، فضلاً من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم]. فيا له من وصف يحمل من البشائر ومعالم الانتصار ما يجعل المرء في غبطة وسرور، ومن حق بغداد وتاريخها أن نقف مليًا عند كل نقطة جاءت في تعبير ابن المنادي رحمه الله، فهو حين يصف مدينة السلام بأنها (من خزائن الله العظام التي لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده) يتبادر إلى الذهن أمران، أحدهما: وصفه لها بالخزائن، دليل على علو مكانتها، وغلاء قيمتها، إلى حد لا يمكن بلوغه،  فالخزينة ـ المفردة ـ تعبير على الكنز الثمين، والشيء الغالي الذي لا يمكن لصاحبه أن يفرط فيه، فيعمد إلى خزنه بعيدًا عن مساس أيدي الآخرين، من شدة حبه له، وتعلقه به، فكيف إذا كانت مجموعة من الخزائن وليس واحدة فحسب ؟ والأكثر من ذلك أنه وصفها بالخزائن العظام، فإلى أي مدى يمكن تصور بغداد في رفعتها، وسموّها، وارتفاع شأنها ؟

والأمر الآخر: أنه نسب هذه الخزائن إلى الله عز وجل، فهل من عظمة وشرف ومكانة أفضل من ذلك ؟ وهل من مستوى يليق بمدينة هي أم الدنيا أرفع من هذا؟ لذلك لم يكن من اليسير تبيان ذلك لعموم الناس، وشرح تفاصيله لهم، لذلك قال ابن المنادي: (لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده)، أفيكون لامرئ اليوم أن يحيط ببغداد وصفًا وتبيانًا لمكانتها عند الله ؟

(ثم هي مع ذلك منصورة محبورة)، وذلك بدهي، فالله سبحانه حاشاه أن يترك خزائنه العظام، عرضة للهزيمة والخسران، وحاشاه أن يجعل لأيدي المفسدين أثرًا يدنس بقعة من بقاع مدينة كان بعض أهل العلم يسأل صاحبه عنها: هل رأيت بغداد ؟ فإذا قال: لا، قال له: لم تر الدنيا .

ولعل سائلاً هنا يسأل: ما بال بغداد هذا اليوم أسيرة بين أيدي الصليبيين، ومن معهم من أصحاب العقائد المنحرفة ؟ ولماذا عاث الخراب والفساد في بغداد، وهي كما تقولون محصنة عن أيدي المفسدين ؟ فنقول له:  إن تعبير ابن المنادي بـ(منصورة) يقتضي أنها تخوض معركة، لكن نهاية هذه المعركة هو الانتصار لها، والفوز بالمغنم والحبور، ومعلوم أن المعارك في طبيعتها تقتضي مسألتين،  أولاهما: أن المعركة لا زمن محدد لها، وليس من قانون ينص على أنها تبدأ في ساعة كذا وتنتهي عند الساعة كذا، بل إن الأمر  محصور بتقدير الله عز وجل، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِيْنَ مِنْكُمْ وَالصَّابِريْنَ وَنَبْلُوَا أخْبَارَكُمْ}(محمد:31).

وثانيهما: أن من مقتضيات المعركة تقديم تضحيات، وإثخان بالجراح، ووقوع خسائر، وهذه طبيعة لا مناص منها في الحروب، بغض النظر عن فريقي القتال، وليس من انتصار يتحصل إلا بعد شدة وعسرة وضيق: {حَتّى إذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بأسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِيْنَ} (يوسف:110).

وفي قوله: (كلما ظن عدو الإسلام أنه فائز باستئصال أهلها؛ كبته الله، وكبه لمنخريه، واستؤصلت قدرته بما ليس في تقدير الخلق أجمعين)،  تظهر جليًا سنن الله في عباده، وكيف أنه سبحانه يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، وفي القطعة من كلامه العذب هذا ثلاثة مواقف، الأول: أن أعداء الإسلام الذين أرادوا ببغداد سوءًا على مر العصور ـ وعلى كثرتهم ـ يجمعهم شيء واحد مشترك، وهو أنهم يغرقون دومًا في وهم من الخيالات والظنون، بأن جيوشهم قادرة على أن تبيد أهل بغداد، وبالطبع فإن الغرض من ذلك هو استئصال العلم والثقافة والأخلاق ـ التي تلازم البغداديين ـ دون أن يعوا أن ظنهم هذا ليس إلا مجرد هوى سرعان ما يتلاشى بأمر الله وقدرته، كما أن تعبيره بـ (كلّما) يقتضي الكثرة، وأن هناك محاولات لا تُحصى من قبل عدو الإسلام يهدف من خلالها القضاء على بغداد، وفي كل مرة يكون مآله الهلاك، ويكون لبغداد نشوة الانتصار.. وهنا يأتي الموقف الثاني: بأن نهاية هذا العدو ليست هزيمة مجردة، أو انسحابًا عاديًا، بأن تتقهقر جيوشه وترحل عن الديار بعيدًا إلى غير رجعة، لا، بل الحق أنه يُمحق، ويصبح في زمرة الأذلّين، فلا تبقى له هيبة بين جيوش العالم، ولا تعود سطوته وجبروته مؤهلان لأن يخشاهما أحد، بعد أن كان بهما يرهب الناس ويستعبدهم، فتذهب قوته وتُستأصل، فلا يقوى على أن يحارب بلدًا آخر، أو يغزو أمة أخرى، وهنا يبدو جليًا فضل بغداد على سائر البلدان الأخرى، بأن الله جعلها سببًا في حصانة غيرها من بلاد المسلمين. وهذا الأمر قد تستغربه العقول، وتستهجنه الألسن حين ترى واقعًا لا ينتج غير الأسى والظلم، لكن ابن المنادي عالج القضية فقال: (بما ليس في تقدير الخلق أجمعين، فضلاً من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم)، وهذه هي المسألة الثالثة، التي ربما يصدق فيها تعبير الشاعر إذ يقول :

ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بــــها الفتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حــلقاتُها *** فُرِجت وكان يظنها لا تُــفرجُ

وبعد، فما مر بنا من شذرات من معالم انتصار بغداد، ما هي ألا كوّة مُطلة على تاريخ هذه المدينة العظيمة، ذات المآثر السامية، والخصال النبيلة، وقد جُعل التاريخ واحدًا من مصادر الثقافة الإسلامية ليتسنى لنا أن نعيش واقعنا على خطى أسلافنا، وأن نكون ـ كما كانوا ـ جنودًا في المعسكر الذي تنطلق منه أصوات التكبير فرحًا بالانتصار والحرية.


   الهيئة نت    

أضف تعليق