هيئة علماء المسلمين في العراق

الفيدرالية في العراق تعني مزيداً من الدماء...د. أحمد القاسم
الفيدرالية في العراق تعني مزيداً من الدماء...د. أحمد القاسم الفيدرالية في العراق تعني مزيداً من الدماء...د. أحمد القاسم

الفيدرالية في العراق تعني مزيداً من الدماء...د. أحمد القاسم

استوقفتني عبارة: (حقن الدماء) في طروحات دعاة الفيدرالية، وحقن الدماء مطلب شرعي ووطني وإنساني، لكننا في العراق الجديد كلما جرّبنا برنامجاً سياسياً كلما زادت دماؤنا، وكثرت جراحنا، لأن أي برنامج في ظل الاحتلال وأجندته السياسية معناه استمرار للمشاكل والمشكلات، فالحلول التي طرحها ويطرحها المحتل كلها ترقيع للوضع، فعدد القتلى في العراق بعد الاحتلال أكثر مما هو قبل الاحتلال، وعدد القتلى في ظل الاحتلال يزداد يوماً بعد يوم ما دام الاحتلال موجوداً في العراق، حتى وصل الأمر إلى أن في كل بيت عراقي دماً نازفاً وجرحاً أليماً.
فقد جرب العراقيون الدخول مع المحتل في عمليته السياسية فسالت الدماء، وشاركوه في الحكومة، وساعدوه في القضاء على (الإرهاب)، وذهبوا بدعوة منه إلى صناديق الاستفتاء على الدستور والاقتراع في الانتخابات المحلية والمركزية، والدماء تهرق، وبحر الدم يجري.
واليوم تطرح قضية الفيدرالية كمشروع وطني لـ(حقن الدماء)، والفيدرالية لا تختلف كثيراً عن أية عملية سياسية في العراق، لأني أرى أن هناك دماءً ستكون ضحية هذه الخطوة الخطيرة، لأنها غير مدروسة جيداً، ولأنها عرضة للنقد في ظل فشل (تجربة الديموقراطية) في العراق، وهذا الكلام مستند إلى ما يأتي:
أولاً: الدماء بسبب الأموال
من المعلوم أن فكرة الأقاليم في العراق طرحت أساساً على فكرة أن الأقاليم تزخر بثروات كبيرة، وهذه الثروات وما يتبعها من مقاولات وخدمات وتعيينات واستثمارات كلها مسائل مالية عرضة للاختلاف والتنازع، وقد شهدت الساحة في العراق أن كثيراً من الخلافات المالية وصلت لدرجة القتل، بمعنى أن منافذ للدماء ستنفتح بانفتاح العراق على ثرواته الجديدة، فالواقع العراقي مليئ بالشواهد على المشكلات المالية ومآلات أفعالها.
ثم إن التجار اليوم ورجال الأعمال والمقاولين موزعون على العراق كله، فمقاول الوسط ما يزال يعمل في الجنوب، ومقاول الجنوب يعمل في الشمال، لكن لما يتفدرل العراق ستكون هناك منافسات تجارية غير شريفة، سوف لا يسمح لابن الأقليم الفلاني العمل في الإقليم العلاني، ولذا سيركز كل إقليم على رجال أعماله، وهذا فيه تحجيم لفرص العمل وتضييقها، فضلاً عن البطالة المقنعة التي ستفرض وجودها.
وإن العراق اليوم يشهد بطالة بكل أنواعها، وفيه فساد مالي على المستوى الوطني، فهذا الفساد المالي له حضور في المحافظات العراقية التي من المؤمل أن تكون مفدرلة، والوضع الفيدرالي سيشهد قبل ولادته فساداً مالياً، فأنى له علاج هذه الظاهرة؟ ثم الاتهام بالفساد محلياً في ظل الأقاليم سيكون فاسداً من الأصل؛ لأن العلاقات الاجتماعية في الإقليم الواحد ستحول بين تشخيص الفاسدين وبين التستر عليهم؛ لأن الإقليم الواحد ذو روابط اجتماعية ربما يصل تأثيرها في هذا الموضوع الحساس، الأمر المتخوف منه هو الكشف عن الفساد والمفسدين، وإذا ما انكشف الفساد في إقليم ما ستكون المواجهة بالسلاح بين أبناء العم وأبناء الخالة والجيران، فالفيدرالية من هذا المنظور الاقتصادي من المشاكل القابلة للدماء عرفاً. 
ثانياً: الدماء بسبب النزاع القبلي
المكون الرئيس للعراقيين هو النظام القبلي، وهؤلاء في ظل الإقاليم سيظهرون بمكوناتهم ليكون لهم دور في هذا الوجه الفيدرالي الجديد، وبالتالي فالفيدرالية لا تستطيع أن تستوعبهم كلهم، الأمر المفضي إلى التنازع القبلي على السلطة وعلى المجالس وعلى الإدارات، وسيكون هناك تهديد أو استعمال السلاح كما عهدنا الخلاف القبلي في العراق، وهذا ما ننتظره من الفيدرالية أن تسهم بكثرة القتل والدماء في الشارع العراقي لهذا السبب وغيره.
فالقبائل في العراق ما تزال تحتفظ بالسلاح لأنه شرف بالنسبة لها، وإذا سمعنا بموضوع تسليم السلاح للحكومة فهذا بعض بعضه، ثم إن النظام القبلي له تأثيره في المجتمع، بمعنى أن القاتل سيقتل ويتشجع على القتل لأن أوراق جنايته لا تخرج حدود إقليمه، وبالتالي سيكون له ظهر في الوساطة من جهة، وسيكون قاضي المحكمة وضابط مركز الشرطة وغيرهما من محيطه من جهة أخرى، وهذا يسهل عليه وييسر موضوع خروجه براءة، أو هروبه من السجن والحبس، بطريق الرشوة، أو بطريق التهديد، أو بطريق العرف، أو بطريق شطارة المحاماة.
ثالثاً: الدماء بسبب المناطق الإدارية
العراقيون حريصون على أرضهم، وإن أي تعدٍ على شبر واحد من ملكيتهم أمر يتطلب استعمال السلاح، وفي ظل الإقليم ستبرز مشكلة حدود الأرض، وهذه الحدود على مستوى الأفراد أو المناطق الإدارية في الإقليم، أو الإقليم نفسه مع الأقاليم المجاورة له، لا سيما وأن الأقاليم المزمعة في العراق مقسمة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، وبالتالي فإن التحسس سيكون له حضور في أية مشكلة وسيكون الاشتباك بالسلاح هو الحل للحفاظ على الحد.
من جهة أخرى فإن المناطق الإدراية ستشهد تنافساً فيما بينها، وهذا التنافس مصيره التناوش بالسلاح لأن الإقليم لا يمكن أن يرضي المناطق كلها، لا سيما المناطق التي تكون الثروات في أرضها، والمناطق التي ليس فيها ما يميزها سوى التعداد السكاني مثلاً، فضلاً عن أن المناطق الإدارية في تقسيمات الإقليم الواحد ستثير مسألة الأغلبية السكانية، وبالتالي فإن مشاكل بانتظارنا فيما بين الإقليم الواحد على غرار العراق الواحد اليوم.
ثم ستبرز في الفيدرالية مسألة عاصمة الإقليم أو مركزه، والمناطق العراقية اليوم في المحافظات فيها شيء من هذا الموضوع، وهذا الشيء سيتطور شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح هناك عداء بين الأقضية والنواحي والقصبات في الإقليم الواحد، وهذا العداء مرشح جداً للتخاطب بلغة السلاح من منطلقات إدراية بحتة.


رابعاً: الدماء بسبب الأحزاب
صار العراق بعد الاحتلال أكثر البلاد أحزاباً وتجمعات سياسية وقوى وطنية، وهؤلاء في عراق اليوم موزعون بين المحافظات وبغداد، فالذي ليس عنده مقعد في الحكومة المركزية والعاصمة لديه شيء في محافظته، وهؤلاء إذا جمعتهم في إقليم واحد وتجري بينهم انتخابات فإن نصفهم سيكون خارج العملية السياسية، وهذا النصف هو من سيتربص الدوائر بالفائزين، وهذا النصف وبشكل طبيعي سيحمل السلاح في وجه الآخرين، بحجة التزوير ابتداءً، وبحجة الفساد المالي أو الإداري أو الإصلاح السياسي آخراً.
إن صراع الأحزاب في العراق والقوى السياسية أثبتت تعاملها بالسلاح، فاختيار وقت التفجير ومكانه ونوعه متعلق بعملية سياسية معينة، أو تصارع حزبي محدد على مستوى البلد، والشأن نفسه إن لم نقل أكثر على مستوى الإقليم الواحد.
ثم إن المشتركين في العملية السياسية من المحافظات إقامتهم الدائمة في المنطقة الخضراء، وهم محصنين بأجل الله هناك، فهؤلاء إذا وزعتهم الحكومة على محافظاتهم وأقاليمهم فسيكون قتلهم سهل جداً، لأن المحافظات ليست فيها تحصينات أمنية كالتي في المنطقة الخضراء، وبالتالي فإن الأحزاب والحزبيين سيكونوا عرضة للمخاطر في الإقليم أكثر، ومن هنا يتوجب على سياسيي العراق اليوم من هذا الباب الأمني على الأقل رفض الفيدرالية لأن آجالهم مرهونة بها والله أعلم. 
أخيراً:
فإن الآجال بيد الله، وإن الأقدار لا يعلمها إلا الله، ولكن الله نفسه أعطانا عقلاً نزن به الأمور ونناقش به القضايا، وإن التجارب هي عقل ثان للإنسان، فهذان عقلان عقل البشر وعقل التجربة يقولان بأن الفيدرالية في العراق باب من أبواب جهنم، وهي من تلبسات إبليس لتضليل الناس وإقناعهم بأنها الحل المنتظر والفرج المرتقب للعراق وللعراقيين، وهي في حقيقتها تعني مزيداً من الدماء كما بينّا، فمن لم يمت بالسيف مات على يد عصابات المقاولات ومافيات رجال الأعمال، أو مات بإطلاقة مقصودة أو غير مقصودة في النزاعات العشائرية في الإقليم الواحد، أو مات بسبب داره وسكنه في نزاع وخلاف إداري على منطقته كونها مجاورة لإقليم آخر، أو كونها تحتضن ثروة معينة، أو مات بسبب انتمائه لحزب معين أو اتجاه له ما له وعليه ما عليه في الإقليم الذي ابتلاه الله به، فهذه الفتن الدموية بانتظارنا في الأقاليم، وهي غير ظاهرة جيداً هذا اليوم لأنها متفرقة في عموم العراق، ولكنها ستكشّر عن أنيابها من أول يوم لعراق الفيدرالية وربما قبله.
إن الدماء المنتظرة هي من الشعب العراقي من رجاله ونسائه وأطفاله، عوامهم وخواصهم؛ لأن دعاة الفيدرالية اليوم محصنين بحماياتهم، ومدججين بحراساتهم، ومتترسين بمقارهم، وبالتالي لا يهددهم هذا الخطر الدموي كثيراً، لأنهم يتطلعون إلى مكاسب سياسية وهمية ومصالح مادية خيالية ومنافع دنيوية يرجون تحقيقها من مشروع الإقليم.
فهذه أربعة أبواب رئيسة من الدماء على وشك أن تفتح على مصراعيها في ظل الفيدرالية بالعراق، فحقن الدماء في ظل الفيدرالية وهم كبير، وحلم ظهيرة، وإن الحقن الحقيقي في الوحدة والتوحد، والاجتماع لا التفرقة، وحفظ دماء العراقيين مرهون بخروج المحتل والتحرر من برامجه السياسية وأجندته، فكما اصطلح العراقيون على مصطلح الدم قراطية، أجدني سيقولون: الدم درالية، والله الحافظ.

أضف تعليق