منذ سنتين والسياسيون في السلطة العراقية الحالية، يرددون ما قاله المعارضون للعملية السياسية في العراق قبل سبع سنوات بخصوص الدستور وما يحتويه من ألغام،
فمنذ ان اطلق الأميركيون العنان لوسائل الإعلام وللنشطاء والمأجورين للترويج للدستور العراقي، تصدت شخصيات عراقية وطنية لهذا الدستور،وظهر أول تققيم له قبل الاستفتاء عليه في الخامس عشر من اكتوبر عام 2005، وجاء في هذا التقييم، ان هذا الدستور يزخر ب(الألغام) التي ستنفجر مستقبلا، وسيكون الانفجار على المتمسكين به والمروجين له، وعلى الطرف الآخر تحدث أقطاب العملية السياسية والمروجون لها،عن الدستور. وقال قانونيون انه (الافضل) في العالم، ووصفه سياسيون بانه بوابة الجنان في العراق، ومن يعود الى ارشيف التصريحات والتحليلات، التي رافقت النقاشات حول الدستور صيف عام 2005، سيجد الاطنان من المديح والتفاخر به،وفي جميع الأحوال فإن الأمم والشعوب لا تعول على الأدوات التي ترهن إرادتها بإملاءات الأجنبي أو المحتل وأحيانا كلاهما.
اليوم نسمع من يتحدث عن الدستور ويقول إنه مليء بالألغام، مرددين وصف الشخصيات الوطنية التي حذرت من خطورة هذا الدستورعلى حاضر هذا الشعب ومستقبل أجياله، وقبل ان نتحدث عن هذه الألغام لابد من الإشارة الى ان البعض من الجالسين على كراسي السلطة في الحكومة العراقية وفي البرلمان،الذين ينتقدون الدستور ويتحدثون عن ( ألغام بداخله)، لا يريدون ملامسة الاخطار الجوهرية فيه، والبعض الاخر يريد الظهور امام الراي العام مرتديا اللباس الوطني، بعد افتضاح امرهم واكتشاف حقيقتهم في الشارع العراقي، فالذي يريد تغيير بعض فقرات الدستور يسعى للحصول على فرص اضافية للبقاء في كرسي الحكم، والبعض الاخر يحأول ذر الرماد في العيون، وهناك من يحاول التملص من لعنات التاريخ وسخط الأجيال، الذين لن ينسوا ابدا كل الذين روجوا للدستور وشاركوا بكتابته (شكليا)، وتلاعبوا بمشاعر العراقيين الذين وقعوا تحت صواعق القلق والفوضى والغموض، ودفعوهم للمشاركة بالتصويت على دستور يسعى لتفتيت العراق وتمزيقه ورهن مقدراته بيد الاجنبي، والتأسيس لمنظومة سياسية وإدارية توغل كل يوم في التفتيت والتدمير وترسم لوحة لخراب العراق، وهذا ما يتأكد للعراقيين في كل يوم يمر وهم يعيشون تحت سياط منظومة إدارية وسياسية وضع خطوطها الاساسية والفرعية هذا الدستور، وقد دفعوا العراقيين زجرا للتصويت عليه بتاريخ 15-12-2005، ليكون الاساس في المرحلة الاخطر من مراحل العملية السياسية في العراق،اذ نجد ان عدة اسابيع فقط فصلت بين الانتخابات التي جاءت بعد اقرار الدستور، وجرت بتاريخ (15-12-2005)، وقبل ان يجف الحبر على اصابع الناس من الناخبين، حتى ادخلوا العراق في دوامة عنف مرعبة، ففي الوقت الذي كانت السفارة الأميركية تجري ترتيباتها لاختيار أسماء المرحلة الاخطر بتاريخ العراق، كانت فرق متخصصة اخرى تضع اللمسات الاخيرة لاثارة الفتنة بين ابناء الرافدين،وكان العمل يجري بالتوازي،اعداد كبار المسؤولين في الحكومة العراقية، وفي الوقت نفسه، برمجة الخطط ،التي سبقها شحن طائفي وعرقي لا مثيل له، وجرى ذلك الشحن خلال عام 2005، وشاركت في عملية الشحن أجهزة امنية حكومية،لا يمكن ان ينسى الشعب العراقي ممارساتها التي حفروها بالذاكرة العراقية لما تحمله من الم حقيقي وماسي لا حدود لها.
أولى ثمرات الدستور الذي اعتمدته العملية السياسية، هي زج العراقيين في فوضى وقتل ورعب لا مثيل له، بعد تنفيذ القوات الأميركية والحكومية تفجيرات سامراء صبيحة يوم (22/2/ 2006) ومهما حأولت الادارة الأميركية وأقطاب الحكومة إنكار ذلك، فإن الأف شهود العيان من أبناء سامراء يؤكدون قدوم قوات أميركية وعراقية مساء اليوم السابق للتفجيرات وذلك في الساعة السابعة وبقاءها داخل مرقد الامام العسكري بسامراء ، وانسحابها بعد ذلك مع فريق من العراقيين في السادسة والنصف صباحا وبعد ثلاثين دقيقة حصل الانفجار، تبع ذلك توظيف أدوات الاحتلال المختلفة لتفجير حرب طائفية في العراق، ويتذكر العراقيون التفاصيل المرعبة التي اعقبت تفجيرات سامراء ،ومحأولات تقسيم العراق وتدميره.
ومن أولى ثمرات الدستور أيضا انتشار ظاهرة الجثث المشوهة ومجهولة الهوية ،التي اصبحت احد المعالم اليومية في العاصمة بغداد وغالبية المدن العراقية، يصاحب ذلك الخطف في كل مكان والاعتقالات الواسعة التي تمارسها قوات الاحتلال الأميركية والأجهزة الامنية، وانتهاكات حقوق الإنسان التي سجلت أرقاما فلكية في العراق.
لقد عملت الأجهزة الأمنية الأميركية والحكومية وأقطاب العملية السياسية على تطبيق الفقرات الخطيرة بالدستور، وفي مقدمتها تقسيم العراق وتفتيت بنيته، فسارعت الى اطلاق برنامج واسع للقتل على الهوية وممارسة التعذيب وسرقة أموال العراقيين وانتشار الفساد في جميع مفاصل الحكومة، ومن يدقق بفقرات الدستور والمحاصصة فيه،ويمحص سلوكيات القوات الأميركية والحكومة والمسؤولين منذ عام 2006 وحتى الآن، يكتشف بسهولة ما تم رسمه للمجتمع العراقي من خراب وتشظي ودمار، وكل ذلك تحت يافطة الدستور، لهذا لا يمكن النجاة بالعراق الا بازاحة ما اسس له الأميركي اليهودي من اصل عراقي نوح فيلدمان (وهو الاب الأول للدستور العراقي) فقد كتب قانون ادارة الدولة (الذي تم اقراره في مارس 2004 في زمن بول بريمر) واعتمد دستور 2005 على البنود التي وضعها فيلدمان الخاصة بتقسيم العراق وتفتيت بنيته وتخريب المجتمع، وبدون التخلص من هذا البناء الجرثومي بصورة نهائية ،سيبقى العراق في مهب الاخطار.
ألغام الدستور في العراق... وليد الزبيدي
