لو أن عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي (1913ـ1995) عاد الى الحياة اليوم وشهد ما يعيشه بلده وإنسانه من مآزق حقيقية،
ورأى السلطة الحاكمة، برئاساتها الثلاث، كيف تدير شؤون البلد، وعلى أي نحو تتصرف إزاء مشكلات الانسان فيه، لأضاف الى كتبه المعروفة (ومن بينها كتابه المعنون «مهزلة العقل البشري»...) كتاباً آخر جديداً أكثر سخرية وأوثق صلة بما يجري (كأن يكون «اضحك مع الحكومة!»...) لفرط ما كان سيضم بين دفتيه من «طرائف» في صيغة مآسٍ كبرى، وما قد يدوّن فيه من «وقائع» و«أحداث» إذا كان «أبطالها» أشخاصاً متمكنين من زمام عقولهم، فلا بدّ أنهم يتصورون الآخرين، الذين يتوجهون إليهم لإخبارهم أو إقناعهم بما يقولون، أشخاصاً ناقصي عقل ودين، وعلى درجة من البلاهة بحيث تمرّ عليهم مثل تلك الأقوال مرور التصديق والقناعة، والأمثلة كثيرة.
فهذا وزير العدل يقف في باحة مبنى سجن الحلة بعد التمرد الذي حصل مؤخراً فيه، واستيلاء السجناء على أسلحة حراس السجن، وهروب عدد من نزلائه، ومقتل أعداد من الطرفين، السجناء وحراسهم، ليقول أمام الكاميرات، بالصورة والصوت: إن ما حصل كان بفعل لعبة أطفال على شكل مسدس كاتم للصوت وصلت الى أحد السجناء عن طريق الوفد البرلماني الذي حاول زيارة السجن للاطلاع على أوضاع السجناء فيه ومنع من ذلك. ثم تلافى الموقف، لأن التهمة كبيرة وهي توجّه الى نائب، فأحال المسألة الى حراسات النواب، الذين لم يسمح لهم، بعدما لم يسمح للنواب الذين يحرسون من دخول السجن. وأضاف الوزير أن هذا السجين استخدم هذه «اللعبة» في إرهاب حرّاس السجن وتم الاستيلاء على أسلحتهم!.. ثم عاد و«سحب التصريح» حين حضر الى البرلمان!
وأولئك مسؤولو الكهرباء، الوزير وقبله نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، يوقعون عقوداً بمليارات الدولارات مع «شركات وهمية» وصفوها، من بعد، بأنها «على الورق» فقط، وأخرى «معلنة إفلاسها»، ثم تتسرب أخبار عن «عمولات» و«رشى»، ويتم الكشف عن الحقيقة، فيقال الوزير، ثم يُسحب أمر الاقالة، ويبقى في منصبه، ثم يقدم استقالته، ويُستدعى الى البرلمان.. ثم تمضي الحكاية كالحكايات الأخرى التي مضت!
وقبلها، من الحكايات التي مضت، أسندت الوزارة ذاتها الى أحد «المتقاولين» استيراد رافعات شوكية حديثة الصنع لاستخدامها في إصلاح شبكات المنظومة الكهربائية.. ووصلت الشحنة الى الميناء، وعند فتحها وجدوا رافعات بأشكال متطورة.. ولكنها عبارة عن «لعب أطفال»، وكأن الأمر يتم وفق منطق إمكان الاستعاضة عن كل آلة بما يشبهها، حتى لو كان الشبيه «لعبة أطفال» .. كما حصل!
هذا في طرف. وفي الطرف الآخر ما أقدم عليه البرلمان مؤخراً حين أوقف مناقشاته لقرارات وقوانين تخص الشعب ومستقبل البلد، مسنداً الى نفسه عملاً من صلب اختصاص «هيئة الاعلام»، ليناقش مسلسلاً درامياً تبثه عدد من القنوات، ومنها قناة عراقية (تعود الى كتلة برلمانية مشاركة في الحكم منذ عهد بريمر الى اليوم) فيصوّت بالإجماع، من قبل من شاهد المسلسل ومن لم يشاهده، على إيقاف بثّه، ويتم إبلاغ القناة، والقنوات الأخرى بذلك!
وتحذو «وزارة الداخلية» هذه المرة حذو البرلمان فتمنع «قناة البغدادية» من بث برنامج «سحور سياسي» من بغداد، على الرغم من أن من يستضيفهم البرنامج هم من أعضاء البرلمان، أو غير البعيدين عن «كراسي المسؤولية» في الحكومة!.. فيتخطى مقدم البرنامج حاجز المنع، والحدود، ويواصل تقديم برنامجه من مكتب القناة في دمشق. ويقول إنه سينتقل الى القاهرة وعمان لإكمال المهمة باستضافة وجوه عراقية.. بينها «وجوه معارضة».
ولن يعوز الدكتور الوردي، لو عاد، الرواة الذين كان يدوّن ما ينقل عنهم من أخبار وحكايات عاشوها أو رويت لهم، ليبني عليها تحليلاته وأحكامه النقدية التي كانت تخص، أكثر ما تخص، «شخصية الفرد العراقي».. فشاشات الفضائيات (وهو الذي كان يرى في التلفزيون سينما ومرقصاً ومغنى... سيضيف إليه اليوم: وراوية أيضاً) تنقل إليه كل ما يحتاج في عمله هذا، من دون أن تكلفه عناء قصد الرواة في أماكن وجودهم، والاستماع منهم الى ما يقولون، ومن ثم تدوين ذلك للاشتغال عليه.. فضلاً عن «سرعة التداول» التي توفرها له التقنيات الحديثة، الى الحد الذي يصرح فيه وزير الدفاع الأميركي بأن قواته ستبقى في العراق الى ما بعد نهاية العام الحالي، فيرد عليه «الناطق الدباغ»، وعلى الفور، في «بيان صحافي» مكذباً ما يقول، ومؤكداً أن هذه القوات ستنسحب في الموعد المقرر لها، وهو نهاية العام الحالي، ولا صحة لما قاله وزير الدفاع الأميركي.
ولو عاد الدكتور الوردي الى الحياة ثانية وكتب فإنه سيعود الى فكرته التي كان قد استقاها من «ابن خلدون» عن صراع البداوة والحضارة، لأن ما سيراه في مجتمعه العراقي اليوم هو «سقوط الحضارة»، وتصاعد موجات البداوة، قيماً وأعرافاً اجتماعية وعصبيات امتدت الى الحكم، فإذا «نظام المحاصصة» المتبع اليوم ليس إلا الوجه الأكثر إثارة للعصبيات وتكريسها «نظاماً» لحياة تبدو، في سياقها هذا، بلا مستقبل طيّب للانسان، لأن من «فتحوا البلاد» بغزوهم لها كان شأنهم معها شأن تلك «الأمة الوحشية» التي وصفها ابن خلدون، فهم «إذا تغلبوا الى أوطان أسرع الخراب إليها»، وقد فاقم الأمر من شايعهم من ذوي النفوس والعقول المخرَّبة أصلاً.
ولربما سيجد بعداً جديداً لمفهوم «الانفصام» الذي قال عنه، في سياق دراسات له، إنه من سمات شخصية الفرد العراقي، فهو، في «حالتنا الجديدة»، لم يعد كما كان قد أشّره يوم أشار إليه: فصام انتماء الى ضربين من القيم المتناقضة، قيم الحضارة. وقيم البداوة، حيث وجد الأولى في ظاهر الفرد، بينما الثانية مترسخة في أعماقه، ومحرّكة لدواخله. ولكل منهما «حالتها» و«زمنها» الذي يجلوها حين يدعو الموقف الى ذلك.
وأعود وأؤكد أنه لو عاد اليوم لكتب عن الحالة العراقية الحاضرة مكتفياً بالاشارة الى هذا كله، وعابراً الى ما حصل من «تطور» يُنسب الى القرن الحادي والعشرين هو ما قد يُطلق عليه «عصرنة التخلّف»، التي تتم اليوم في اتجاهين متصالبين، أُفقي وعمودي. فإذا كان الأفقي يأخذ بامتداد الفسحة المكانية وشمولها، فإن العمودي لا يكتفي بالحفر عمقاً، بل يأخذ بالامتداد الى أعلى أيضاً ليؤكد أن الحلول أضحت بعيدة المنال.
صحيفة السفير اللبنانية
عن الحالة العراقية و«شرُّ البليّة ما يضحك».. ماجد السامرائي
