الحديث عن الفدرالية في العراق لم يعد مجرد فلسفة سياسية او عرضاً لمواهب المنخرطين في سيرك العملية السياسية وقدراتهم على (تصفيط) الكلمات وصناعة قاموس سياسي جديد وانما اصبح حديثاً يوجع قلب العراقيين الواعين والمخلصين لمهد الحضارات في العالم وكذلك فإن الحديث عن الاقاليم في العراق والمطالبات بإنشائها وفق الدستور (المصون)
اصبح تجارة الموسم وهو يتبوأ اليوم المرتبة الثانية في سلم الانشطة الانسانية في العراق بعد تجارة الفساد والنهب وبيع الذمم والاخلاق.
ان اغرب ما في الامر هو تشويه الحقائق والمفاهيم السياسية خلال الحديث عن الفدرالية والاقاليم والقيام بحملة تضليل واسعة لكسب الرأي العام الشعبي في المحافظات التي ترفع مجالسها البلدية شعارات الفدرالية والاقاليم من خلال ضرب الامثلة عن الفدرالية ونماذجها ونجاحاتها في توحيد البلدان في العالم، يستغل هؤلاء الدعاة المتاجرين بمصير العراق ومصير شعبه والمالئين جيوبهم وخزائنهم والمصارف الاجنبية بدولارات دفعها لهم الاحتلال بعد ان سرقها من ثروات العراق او الدولارات التي سرقوها هم بمجهودهم الشخصي وكفائتهم في الحرمنة والنشل والابتزاز، يستغل هؤلاء حالة الفوضى والتشويش الفكري التي تضرب اطنابها في رأس المواطن العراقي بعد تسع سنوات من قهر الاحتلال واعوانه وبعد تسع سنوات من فقدان الامن والكرامة والحرية والوطنية والعيش الكريم والشعور بالانتماء للانسانية، وغالباً ما يلجأ هؤلاء المشعوذون الى امثلة قريبة يستفيدون من بهرجة اضواء الابراج التجارية والفنادق السياحية فيها مثل دولة الامارات العربية المتحدة.
ليقنعوا المواطن بأن الفدرالية وقد وحدت الامارات او انها منعتها من التمزق والتقسيم دون ان يوضحوا لهذا المواطن ان الامارات كانت اقاليم صغيرة متفرقة مستقلة عن بعضها ولم يكن اي منها يحوي مرتكزات الدولة ومقوماتها فغلب حكام هذه الامارات مصالح شعوبهم واستشعروا خطر ضعف اماراتهم فأجمعوا امرهم على توحيد هذه الامارات في دولة واحدة عمل القائمون عليها على تطوير الانشطة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية فيها وجعلوها مواقع عمل ومراكز للتجارة مع تخوفنا من حالة الاستيطان التي فرضتها بقصد او دون قصد اجندة العمل والحاجة الى الايدي العاملة بسبب قلة السكان في هذه الامارات الامر الذي اصبح بقدر ما يعد توحيد الامارات ايجابية متقدمة بعد اضمحلال وذوبان شعبها العربي امام نمو الاجانب المستوطنين فيها التحدي الاكبر لمستقبل هذه الفدرالية.
والسؤال الاجدر بأن يطرح على طاولة الحوارات والمطالبات والشعارات الفدرالية التي يروج بين حناياها مشروع الاقاليم هو هل كان العراق إمارات متفرقة مستقلة عن بعضها قبل احتلاله وجاء الاحتلال واعوانه اليوم ليقوموا بتوحيده عن طريق تكوين الاقاليم وفدرلة البلد؟ ام ان العراق كان على مر العصور بلداً موحداً وكانت وحدته من ارسخ امثلة الوحدة الوطنية في المنطقة لانها خضعت للعديد من الاختبارات والتهديدات على مر التأريخ وقد نجح الشعب العراقي في اجتيازها والعبور بالوطن الى شاطئ الأمان رغم خطورة وحجم التهديدات والتي كانت خلفها الكثير من الاجندات والقوى الاجنبية الداعمة لاضعاف العراق والتي بعد ان فشلت في كل مشاريعها لتقسيم العراق في السابق فهي اليوم ترى في الاجواء التي خلفها الاحتلال واعوانه الفرصة الذهبية السانحة لتحقيق ما عجزت عنه في السابق.
واذ يطرح هؤلاء الكثير من المفاهيم والمبررات المزيفة لتعميم الفدرالية والاقاليم مستغلين المساحة الواسعة التي منحها لهم الاحتلال واعوانه وخدمه في الداخل والخارج في الاعلام المضلل والهادف لتدمير العراق على مختلف واجهاته المقروءة والمسموعة والمرئية وكل ما يسندها من تقنيات حديثة تتقدمها مواقع النت وفضائيات الحقد الطائفي التي ينبغي ان لا يغفل العراقيون السؤال عن مصادر تمويلها ومراكز دعمها الخارجي نجد ان الخندق المقابل المنطوي على العراقيين المخلصين والاصوات الوطنية الشريفة لا يجد المساحة الكافية للتعبير عن الرأي الحقيقي للشعب او لازالة العباءة عن قاذورات الاحتلال واعوانه ووساخاتهم وفضحها امام الشعب بل انه على العكس من ذلك ملاحق محارب مشرد متهم بالارهاب ومتهم بالعمل على افشال العملية السيايسة، والادهى من ذلك ان هذا الخندق الوطني متهم بعرقلة خطوات التقدم والتنمية والديمقراطية والحرية التي تتوخاها العملية السياسية الاحتلالية منذ تسع سنوات لم يتحقق منها سوى القتل والفساد والسلب والنهب. ودعونا نسأل الذين يضعون مبرر تنمية محافظاتهم واخذ حضها من الميزانية كاملة ومنع سرقة اموال الشعب فنقول أليس هؤلاء السراق الموجودون في كراسي السلطة او مؤسسات الدولة هم الذين تدعون انتخابهم في عمليتكم الديمقراطية الفريدة اليسوا هم ممثلي الشعب الذين تدعون انتخابهم فمن يضمن ان الجالسين على كراسي السلطة في الاقاليم لن يقوموا بواجب الفساد والسرقة الذي يقوم بها اقرانهم في السلطة المركزية اليوم ومن يمنع ذلك؟!!
اما المحتجون بذريعة توفير الامن والكرامة للناس في الاقليم فنسألهم: من الذي يضمن الأمن والكرامة وهل يمكن ان تتوفر الكرامة والأمن في بلد محتل وسيبقى محتلاً رغم كل ما يقال عن الانسحاب ولن تتحق السيادة حتى يخرج الاحتلال واعوانه وآثاره واذا كنتم تضربون المثل على الامن والكرامة في شمال العراق فأنتم واهمون ولقد شاهدتم ما يجري من اضطهاد للاكراد على يد ميليشيات حزب الطالباني والبرزاني ثم من الذي يمنع ان يضطهد السنة الموالون للاحتلال شعب الاقليم ومن الذي يضمن ان لا يضطهد حكام الشيعة الموالون للاحتلال شعب الاقليم كما اضطهد حكام الاحزاب الكردية شعب شمال العراق، الاقرب الى الاحتمال ان تنشأ حركات تطالب بتجزئة الاقليم وانتاج اقاليم اخرى عن طريق تجزئة المجزء.
ثم نتساءل هل اقليم كردستان الاول في تسلسل اقاليم العراق بحضانة الفدرالية مازال يخوض صراعاً وتعتقد انه سيستمر مع محافظات العراق الاخرى التي تريدونها اقاليم صراعاً على الارض والموارد، صراعاً له بداية وليست له نهاية، وبالتأكيد فان ذلك سوف ينطبق على المحافظات التي ستصبح اقاليم ولن يكون بإمكان الحكومة المركزية حسم هذه الصراعات ولا منع وقوعها فما هو المخرج؟!!
أما التساؤل الذي نعده اكثر إلحاحاً وخطورة واهمية فهو: ألا ترون ان إنشاء الاقاليم على اساس عرقي اوطائفي سوف ينهي الى الابد اللحمة الاجتماعية وسوف يفصل بشكل نهائي النسيج الاجتماعي الموجود حتى الآن في المحافظات وسوف تجبر الاقليات السنية في المحافظات (الاقاليم الشيعية) على الرحيل عاجلاً او آجلاً الى اقاليم السنة ومثلها ستجبر الاقليات الشيعية في المحافظات (الاقاليم السنية) على الرحيل عاجلاً أو آجلاً الى اقاليم الشيعة ومثلها سينطبق الوضع على الكرد في كل مكان من العراق، ناهيك عن عملية التفكيك والتقسيم التي ستنشأ في المحافظة الواحدة التي تتواجد في بعض اقضيتها او نواحيها اقليات لا يوجد لها تماثل في المحافظات الاخرى، فماذا سيكون موقف اليزيدية والصابئة والآثوريين وغيرهم وغيرهم من تصنيفات العراق الجديد في ظل الاحتلال.
مجمل القول ان الذين يدعون الى الفدرالية والاقاليم صنفان، صنف مضلِل يسعى للاقاليم ضمن مشروع الفساد ومشروع تقسيم العراق وهو عارف بما يفعل ومنسق مع الاجندات الاجنبية وقابض لثمن تدمير العراق.
اما الصنف الآخر فهو الصنف المضلل البريء الذي نجح الاعلام الخياني في احداث خلل كبير في آليات التفكير المنطقي الوطني وهو المدعو الى مراجعة النفس والابتعاد عن بؤرة الخيانة والعمالة والسمسرة. والا فانه سيكون مثل المخمور الذي لا يصحو من سكره الا بشرب كأس اخرى فهو يصيح دائماً (وداوني بالتي هي الداء) ومتى كانت الخمرة دواءً؟! انها اصل الداء.
وداوني بالتي كانت هي الداءُ...د.محمود الاحمد
