لم تخطئ صحيفة الـ«صنداي تايمز» اللندنية، حينما ذكرت في عدد الأحد الماضي (26/2)، أن الذي انهار في سامراء يوم الأربعاء الماضي لم يكن قبة مرقد الإمام علي الهادي فحسب، ولكنها أيضا الاستراتيجية الأميركية في العراق.
ذلك أن ما جرى يومذاك في سامراء وغيرها من المدن العراقية كشف إلى حد كبير المدى الذي بلغه التدهور والاحتقان في ظل الاحتلال الأميركي، بما استصحبه من ممارسات وفظائع فضحتها الصور التي صرنا نطالعها حينا بعد حين، وهي الممارسات التي استخرجت في مختلف الأطراف المتصارعة أسوأ ما فيها.
لقد بدا المشهد كله عبثيا. فسامراء المدينة السنية التي ينحدر أهلها من سلالة الإمامين الراقدين تحت القبة، هي التي قامت على حراسة المقام منذ ألف ومائتي عام. وما خطر ببال أحد يوماً ما أن تصبح المدينة مسرحاً لتفجير الصراع بين الطائفتين، وهي التي ظلت طيلة الوقت رمزاً للتعايش والتلاحم بينهما، حتى استقر في يقين الشيعة ان المرقد في أمان طالما ظلت احدى الأسر السنية تخدمه وترعاه، ولم تكن مصادفة أن عملية التفجير تمت بعدما تولت قوات الشرطة عملية الحراسة في ظل الاحتلال.
ثم كان مثيراً للانتباه أن الجماهير التي خرجت معبرة عن غضبها للاعتداء على المكان الذي يعتبرونه مقدساً، هي ذاتها التي صبت جام غضبها على مقدس آخر هو المساجد السنية. كما كان ملاحظاً أن عيار الجماهير الذي انفلت كشف عن حقيقة الفراغ الأمني الكبير الذي تعيش في ظله البلاد. فقوات الشرطة العراقية بدت أعجز من أن تكبح جماح الغضب، فضلاً عن أن نسباً غير قليلة في عناصرها وقفت في صف المتظاهرين، بحكم انتمائها المذهبي (أغلبيتهم من الشيعة). وفي الوقت ذاته فقد أحجمت قوات الاحتلال الأميركية حتى عن الخروج إلى الشوارع حتى لا يؤدي ظهورها إلى تأجيج مشاعر الغضب لدى الجماهير الناقمة عليها أصلا.
لقد بدت السلطة غائبة وعاجزة عن احتواء الموقف، بل انها ساعدت على رفع وتيرة الانفعال حين سارعت بإعلان الحداد ثلاثة أيام في البلاد، قبل أن تعرف حقيقة ما جرى، وتتحرى الأطراف التي وقفت وراء الحدث. كما أن قوات الاحتلال حرصت على الاختباء بعيداً عن الأعين، حتى لا يؤدي ظهورها إلى زيادة الطين بلة، الأمر الذي ترك الساحة مفتوحة تماماً من دون أي ضابط أمني، كأن البلاد بلا حكومة أو سلطة.
ولا مفر من الاقرار في هذا الصدد بأن المراجع الشيعية ـ خصوصاً آية الله علي السيستاني ـ تصرفت تحت تأثير الانفعال، حين سارعت إلى إعلان الحداد ودعت الناس إلى التظاهر تعبيراً عن الاحتجاج على ما جرى. وهو ما كان له أثره في دفع الحشود للخروج إلى الشوارع.
وبخروجها وهي مشحونة بمشاعر الغضب، فقد كان من العسير السيطرة عليها، والحيلولة دون ترجمة الغضب إلى اعتداء على مساجد السنة وخطبائها، رغم أن مسؤولاً في مكتب السيد السيستاني دعا إلى التهدئة وعدم التعرض للمساجد.
شأن أحداث أخرى سابقة، فمن العسير التعرف على الفاعلين. رغم أن أكثر الأصابع أشارت إلى من يسمونهم «بالتكفيريين»، في حين اتهم مسؤول بجبهة التوافق (التي يرأسها الدكتور عدنان الدليمي) عناصر في وزارة الداخلية بالضلوع في العملية.
من ناحية أخرى، حدثني السيد مثنى حارث الضاري، المتحدث باسم هيئة علماء المسلمين، عن تلقيه قبل يومين من تفجير القبة، رسالة على هاتفه المحمول، دعت الشيعة إلى القيام «بانتفاضة» للاحتجاج على ما اعتبرته الرسالة تراجعاً عن المكاسب التي حققها الشيعة في تشكيل الحكومة الجديدة. ومعروف أن ثمة ضغوطاً خارجية وداخلية قوية لإقصاء متطرفي الشيعة عن وزارتي الداخلية والدفاع على الأقل، وهو ما عبر عنه السفير الأميركي في بغداد، الذي يعد طرفاً مهماً في مشاورات التشكيل، حين أعلن أن بلاده ترغب في ألا تتولى الوزارتين «عناصر طائفية»، بعدما ثبت أن تلك العناصر أساءت استخدام موقعها، ومارست بحق السنة تجاوزات كثيرة، حين تسترت على «فرق الموت» التي استهدفت السنة، وحين أقامت سجوناً سرية تابعة لوزارة الداخلية، كشف النقاب عنها مصادفة.
مثل هذه الشكوك مفهومة في أجواء العراق الجديد، ولسنا هنا في وارد تتبعها أو التثبت من صدقيتها، لأن دلالتها هي الأهم. ذلك أن ما جرى يكشف عن مدى الاحتقان الطائفي الذي يسود العراق الآن، ويضعه على عتبات حرب أهلية تأتي على ما تبقى من كيان الدولة. وينبغي ألا ينسى هنا أن الاحتلال الأميركي منذ جاء اعتمد الصيغة الطائفية والعرقية في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وإدارة الدولة. الأمر الذي غذى بذور الفتنة وسمح برعايتها طوال الوقت. وبعد ثلاث سنوات أدرك ممثلوه خطورة الأمر، حتى وجدنا السفير الأميركي يطالب بإبعاد «الطائفيين» عن وزارتي الداخلية والدفاع.
ان العراق يعاني الآن الأمرين من حصاد تلك الصيغة البائسة التي غذاها الاحتلال، والأحداث الكارثية التي شهدتها البلاد في أعقاب ما جرى يوم الأربعاء الأسود مجرد نموذج لذلك الحصاد، الذي له تجلياته الأخرى في عمليات القتل المتبادل بين السنة والشيعة، وعمليات التهجير القسري التي أجبر عليها نفر من هذا الجانب أو ذاك. والتوترات الموشكة على الانفجار في أي لحظة، التي تعيش في ظلها المدن التي تساكن فيها السنة والشيعة والأكراد على مدى تاريخهم، بغداد وبعقوبة وكركوك والموصل وغيرها. بل وجدنا في حي «الدورة» الذي يسكنه سنة وشيعة أن أعمال القتل المتبادلة بين الطرفين أدت إلى رسم الحدود بينهما، بحيث أصبح السكان يتم توقيفهم ويعرفون بناء على انتمائهم الطائفي. وهي ظاهرة مفجعة لم يعرفها العراق في تاريخه.
الأمر أكبر وأعمق بكثير مما يبدو على السطح، لأن الاحتقان الطائفي يتجاوز حدود العوام، ذلك أن مؤسسات الدولة المختلفة تحفل بالعناصر التي تنتمي إلى هذا الفريق أو ذاك. ولك أن تتصور وضع الجيش أو المؤسسة الأمنية في هذه الأجواء، وكيف أن عقدها يمكن أن ينفرط ـ ينفجر ان شئت الدقة ـ عند أول مواجهة مقبلة من ذات العيار الذي شهدناه في تفجير مرقد سامراء. إذ قد نفاجأ بأن كل مجموعة انحازت إلى الطائفة التي تنتمي إليها، الأمر الذي يفتح أوسع الأبواب للحرب الأهلية، وهذا ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، لأن الوضع في وزارة الداخلية مثلاً يعبر عن تلك الحقيقة المفجعة.
وفي مثل هذه الظروف لن نستغرب إذا تنامت نزعات الاستقلال عند الأكراد، طالما أن كل فئة تستقوي بمراجعها وتنشغل بتعزيز حصونها والذود عن حياضها، فلماذا يستثنى الأكراد من المشهد؟!. ولن تستغرب أيضاً أن يكمل الأكراد استيلاءهم على كركوك، مخزن النفط الكبير، ليحكموا ضمها إلى اقليمهم ـ أو دولتهم ـ إذ بها يصبحون في وضع اقتصادي متميز، يشجعهم على الاستغناء عن الالتحاق بالدولة العراقية.
هذه المؤشرات المخيفة التي تهدد بقوة مستقبل العراق ووجوده، تمثل كابوساً يؤرق كل عراقي غيور على وطنه، بل كل عربي يخلص الانتماء لأمته. وغني عن البيان أن الأمر لن يقف عند حد اغتيال العراق وشرذمته ـ لا قدر الله ـ لأن تداعيات الحدث سوف تتجاوز في الأغلب حدود العراق، إلى مجهول لا نعرف مآله. وفي ظل انهيار النظام العربي، وشيوع الانكفاء والقطرية في أبغض معانيها بين بعض شرائح النخب الحاكمة، فإن مصير العرب لن يكون بعيداً عن التأثر بمصير العراق.
لقد روجت الأبواق الأميركية طيلة العام المنصرم للادعاء بأن عام 2006 سيكون الميلاد الحقيقي للعراق الجديد، الديمقراطي والمستقر، المرشح لأن يكون نموذجاً يحتذى في المنطقة، وقاطرة تقود قطار الحرية إلى ربوع الديمقراطية الخضراء بحدائقها الغناء وزهورها اليانعة. وكان إعداد الدستور وإجراء الانتخابات هو اشارة البدء في تلك الرحلة، حيث سيختار الشعب ممثليه في المجلس النيابي، ثم تشكل حكومة الوحدة الوطنية التي ستمسك بزمام القاطرة وتوجهها إلى غاياتها المرتجاة.
هذه البشارات التي سوقوها سقطت واحدة تلو الأخرى، وكان مشهد الحريق الذي اجتاح العراق بعد الأربعاء الأسود بمثابة تكذيب عملي لكل ما قيل، وإشهارا لمدى البؤس السياسي والاجتماعي الذي انتهى إليه العراق في ظل الاحتلال.
والأمر كذلك، فإنني أزعم أن أصابع الاتهام في الجريمة النكراء التي وقعت في سامراء، لا ينبغي أن تتوقف عند الاشارة إلى هذا الطرف أو ذاك من التكفيريين أو المتعصبين أو المدسوسين، وانما ينبغي أن تحمل الاحتلال المسؤولية الأولى عما جرى، لأن وجوده هو الذي أطلق مختلف القوى الشريرة التي لم تعد تعبأ بمستقبل العراق، ولم تعد تتردد في إحراق البلد بأسره لتحقيق المكاسب الفئوية والطائفية، حيث لم يعد هناك وطن ينشغلون به ويدافعون عنه، أو يحلمون باستعادته.
الشرق الوسط
إنه حصاد احتلال العراق.. فهمي هويدي
