لم يكن العراق سوى بند هامشي على جدول أعمال مؤتمر الأمن القومي الأميركي- ليس لأن العراق لا يشكل تلك الأهمية في معادلات الاحتلالات الأميركية- بالتأكيد لا- بل لأن واشنطن تؤكد في السر وأحياناً في العلن وأحياناً كثيرة بزلة لسان،
أن القوات الأميركية دخلت العراق لتبقى فيه، وهذا هو الثابت..
مناسبة افتتاح المؤتمر بحد ذاتها يشرّحها الالتباس من كل حدب وصوب، فهي احتفالية بالذكرى السنوية الأولى لإعلان خطة انسحاب الاحتلال من العراق.. وستبقى ذكرى للاحتفال ومناسبة اليوم لاستقراء نتائج حمام دموي شهدته 17 مدينة عراقية، وهي الأحداث التي تثير تساؤلات عن المستفيد من إشعال الموقف مجدداً لجهة إعادة الملف الأمني إلى الواجهة ليأتي إعلان البيت الأبيض بأنه سيأخذ في الحسبان إبقاء قوات من دون تحديد عديدها وبناء على طلب عراقي مستعجل لقطع دابر التكهن. وهنا بالتأكيد تكمن الإجابة الواضحة عن تساؤلات مَنْ المستفيد.. وإلى أين المآل؟؟.
لم يكن إذاً هناك من جديد في التكرار الأميركي من إبقاء القوات في العراق ما دامت القاعدة تقول: «أتينا لنبقى» لكن ما رشح من أجندة مؤتمر الأمن القومي الأميركي عن العراق هو أيضاً لم يكن جديداً بقدر ما هو صدمة لكل مَنْ راهن على أن الإدارة الأميركية الحالية رسمت خطاً بيانياً منذ وصولها إلى البيت الأبيض ستعيد فيه الشرعية الدولية إلى الواجهة..
خطابات دغدغت مشاعر الملايين في العالم ظنوا فيها أن أمريكا ستنقلب على نفسها وستغير جلدها، فكانت الصدمة صدمتين.. صدمة نتيجة ما وقعوا فيه من استغفال وتضليل وصدمة بسبب أن أميركا ستبقى أميركا بقضّها وقضيضها، ولن تغير ما بنفسها إلا عندما يخدم التغيير مصلحة الصهيونية.. أولاً وأخيراً أميركا ومصالحها..!
أهم ما ناقشه مؤتمر الأمن الأميركي هو كيفية إيجاد السبل الناجعة لإعادة القبضة الحديدية على العالم، إعادة تقزيم الأمم المتحدة وتسخيرها لخدمة المشروع الأميركي، ورسم خطة تحجيم قوى دولية ودول صاعدة باتت تشكل خطراً على الحصة الأميركية التي قاربت أن تغطي مساحة الأرض كلها.. الحشد الأميركي بصوره المختلفة في آسيا هو على قدم وساق، يقابله حشد آخر في أوروبا وإفريقيا، ويقابله بحث دائم عن إيجاد قواعد عسكرية تكفي لتأمين الوجود، ما يشكل تراكماً في القوات دفع الكثير من المحلين للقول: إن أي قاعدة عسكرية وفي أي بقعة في الأرض ستكون مركز صنع القرار الأميركي مستقبلاً..
فهل هناك من شك بقي عند مَنْ تساوره الآمال.. من أن الوجود الأميركي في العراق لن يكون مختلفاً عن الوجود الأميركي المستمر منذ عقود في كوريا الجنوبية- اليابان- ألمانيا- تركيا- كوسوفو- قطر- الخليج العربي- غوام- استراليا- أفغانستان- جنوب شرق آسيا- قواعد أفريكوم في إفريقيا ناهيك عن الأساطيل المتنقلة التي تجوب العالم ويطيب لها المقام في كل مكان كقواعد متنقلة وحسب الطلب.. هل بقي مكان لم توجد فيه أمريكا إن كان بقواعد أو احتلال أو حرب هادئة؟! وعبر الأخيرة تتمدد اليوم لتشمل محيط الأرض كلها، فهل هناك أمل في أمريكا أخرى غير التي نشهد ونعرف؟ وهل بات واضحاً أن التمديد للقوات الأميركية في العراق هو مجرد لعبة ما دام القرار متخذاً سلفاً، وهو البقاء الذي يستدرج بقاءً.
صحيفة تشرين السورية
وجهة نظر..أبعد من استدراج تمديد ... شارل كاملة
