بالامس القريب كان معارضو نظرية (العراق الفيدرالي) او (فدرلة العراق ) من دعاة الوحدة الوطنية والعراق الموحد،
لكنهم ما فتئوا بعد خمس أو ست سنوات أن تحولوا الى دعاة لتلك النظرية خاصة هذه الايام، بينما تحول الدعاة السابقون للنظرية الى معارضين لها وايضا هذه الايام ومتسلحين بالخطاب الوطني. انها المعادلة التي لا نستغرب ان نجد لها طرفين متناحرين كل طرف يعمل ضد مصالح الاخر على طول الخط، ولكنهما يلتقيان في بوتقة الطائفية والعرقية رغم تناقض شكل كل واحدة منهما عن الاخرى تماما، وكل طرف يناور ويتحرك في مجال المصلحة الشخصية وتارة في مجال المصلحة الشخصية التي تخدم طرفا او اطرافا خارجية، وبالنتيجة كل مدع للنظرية الفيدرالية او معارض لها يخوض معركته على تخومها التقسيمية بثوب الطائقية والعرقية.
ان المفهوم الفيدرالي كما معروف للجميع ليس غريبا علينا حيث طبقه الكثير من البلدان في العالم على مر التاريخ لاجل التوحيد، بمعنى جمع شتات مجموعة كيانات غير مترابطة في الاساس ويتطوع لها قادة وزعماء افذاذ لاعادة تشكيل وحدة وطن بكيان فيدرالي تتعزز فيه قوة الدولة من وحدة وطنية واقتصاد وامن ومساحة جغرافية ونسبة سكان تهابه الاطراف الخارجية، وهذا الاندماج الفيدرالي ليس بالامكان تجاوزه لاسباب منها ان هنالك عوائق كبيرة سواء في نوعية المجتمعات التي تمثلها كيانات ذلك النظام الفيدرالي او لجوانب حدودية واقتصادية وحتى تعدد اللغات وامور اخرى والا فإن اصحاب نظريات الاندماج السكاني بهذه الطريقة يطمحون الى ابعد من ذلك، وهذه العملية المحورية ينطبق عليها مفهوم توحيد (المجزأ الى موحد فيدرالي)، وكمثال ايجابي على هذا النموذج اندماج امارات بالخليج في دولة واحدة اسمها ( الامارات العربية المتحدة).
والنموذج الاخر للنظام الفيدرالي ما تحقق في الولايات المتحدة الامريكية.بينما النموذج السلبي للمفهوم الفيدرالي ما حصل في العراق فمجرد نظرة واقعية الى اقليم كردستان بوضعيته شبه المستقلة عن جسم البلد ستبرز امامنا مخاطر ما يدعو له دعاة الفيدرالية الجدد. لذا فالامر بطريقة (تفكيك الموحد الى مجزأ ضعيف) فانه الخديعة بذاتها من الزعماء والقادة الحاكمين لشعبهم وتنحصر هذه الافكار بخطط التقسيم التي يرمي إليها اعداء البلد.
وينطلق منظرو المفهوم الفيدرالي من افتراضات ويؤسسون لمسارات خاطئة بل خطرة على مستقبل البلد لا نعرف ان كانوا فعلا جهلاء في مسارهم هذا ام انهم خبثاء في اطار مسيرتهم تحت ابط طرف خارجي معاد لوحدة العراق؟ وامام هذه الافتراضات علينا كمحللين ومعارضين شعبيين لنظريات التقسيم المطروحة على بساط النقاش هذه الايام ان ننبه هؤلاء الغارقين بالاموال والافكار الجديدة عليهم من السير بمشروعات التقسيم الفعلية للبلاد، سيما اننا نعلم تماما بان من يمثلنا في السياسة او الحكومة والبرلمان هم اقل من مستوى القيادة والتنظير ولا يفهمون خطورة ما يسيرون بهذه البلاد، انهم قبل سنوات قليلة كانوا مواطنين عاديين من الدرجة الثالثة في السياسة والقيادة لكن مخططات الاحتلال لم تسمح للعقليات الكاريزمية التي تفكر وتخطط بوعي من التحاور معها او تتولى مسؤوليات قيادية بهذا البلد، ما جعلها تستفرد بهذه الجماعات غير المؤهلة.
وكثيرا ما جرى النقاش في مجالس واجتماعات وعبر شاشات فضائيات عن التوجه الجديد لاقرار الفيدرالية وكل ما يتسلح به دعاتها انهم اصبحوا امام امر واقع عندما يقولون ان ليس امامنا خيار سوى القبول بالفيدرالية معتبرين اطروحات الاخرين من عامة الناس المعارضين بانها تغريد خارج السرب وبعيدة عن واقع الظرف السياسي والاجتماعي الذي يحكم البلد في الوقت الحاضر، وبالطبع هؤلاء من قادة القائمة العراقية وتحديدا فئة خاصة تستأثر بالقرار وندرك تماما لم تكن هذه من بناة افكارها بل هي املاءات مفروضة من جماعات عشائرية ودينية قاصرة في التفكير لمثل هكذا استراتيجيات وممثلة بكل اسف عن محافظة الانبار.
اما الطرف الاخر الذي يتباكى على وحدة العراق ويعارض تطبيق الفيدرالية فانه يمارس سلطاته ببشاعة لدفع هذا الطرف الضحية للقبول بنظرية العراق الفيدرالي بينما يطرح نفسه أمام الملأ متباكيا على وحدة العراق ودون التفريط بها لكن ذلك لم يأت من فراغ بل لغايات عدة منها محاولة تسقيط الطرف الخصم له في المعادلة السياسية امام جماهيره او انه بالفعل وقع ضحية السلوك الديكتاتوري الذي يحكم به ولكن في كلتا الحالتين لن يغيب عن اللعبة السياسية الدور الاقليمي والدولي الخارجي في زج الطرفين المتخاصمين في اتون معركة خاسرة تدفع بالبلد الى مصير مجهول.وازاء هذا السيناريو العبثي المطروح، علينا ألا نغرق في التفاؤل الذي يراهن عليه دعاة النظرية الفيدرالية لان (التلاحم العراقي) سيكون أهم منتج للمنتظم الفيدرالي هو ما يقود إلى الوحدة الوطنية ويعمل على إشاعة الاستقرار وبناء الدولة الديمقراطية القوية المزدهرة.
..صحيفة اخبار الخليج البحرينية
نظرية العراق الفيدرالي ..د.فاضل البدراني
