توقع واضعو استراتيجيات وزارة الدفاع الأمريكية “حرباً طويلة” ضد ما يسمى “الإرهاب” في وثيقة نشرت في 3/2/2006. وجاء في الوثيقة أنه من الضروري تهيئة الجيش الأمريكي لمواجهة تحديات غير تقليدية وأوسع، وأن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون مستعدين لخوض هذه الحرب مستقبلاً في العديد من المناطق وفي الوقت ذاته.
ولا شك أن هذه “الحرب الطويلة” تستهدف العالم العربي والإسلامي دون سواه من خلق الله الآخرين رغم كثرة المعادين للولايات المتحدة والغرب في أماكن أخرى من العالم، كالشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية.
إن التركيز على ترويض العالم العربي والإسلامي ليس له من هدف سوى إبقاء هذا الجزء من العالم تحت السيطرة الأمريكية والغربية، لأنه يقع في قلب الكرة الأرضية، ويملك مفاتيح خطوط المواصلات ومفاتيح الطاقة في العالم.
ومنذ القدم كانت هذه المنطقة محطّ أطماع القوى الكبرى، فقد قام الاسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد باجتياح الشرق وأسس إمبراطورية يونانية واسعة انحصرت بعد وفاته في سوريا “بلاد الشام” والعراق ومصر.
وقام الرومان في القرن الأول قبل الميلاد وأزاحوا اليونان من الشرق، وحلّوا محلهم. وكان الفرس في الجانب الآخر يسعون إلى الاستيلاء على المنطقة، وقد نجحوا في ضمّ العراق وسيطروا فترات متعددة على سوريا ومصر وأجزاء من الجزيرة العربية.
وعندما ظهر الإسلام في القرن السادس الميلادي، واستطاع العرب المسلمون تأسيس دولة عربية إسلامية قوية في المنطقة العربية، تزايدت أحقاد الأوروبيين عليهم بعد أن حرموهم من طرق المواصلات مع الشرق.
فكانت الحروب الصليبية في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي تعبيراً عن رغبات دفينة في إعادة السيطرة الأوروبية على المنطقة العربية لإعادة السيطرة على خطوط المواصلات بين الشرق والغرب، بعد أن أصبحت هذه الخطوط في أيدي المسلمين. وأصبح التجار المسلمون هم الذين يتولون شراء البضائع والسلع من الهند والصين وباقي أنحاء الشرق الأقصى، ويقومون ببيعها إلى التجار الأوروبيين في البندقية ونابولي وفلورنسا وسواها، ويفعلون العكس أيضاً، وقد اغتنى المسلمون من وراء هذه التجارة.
ومع بزوغ عصر الاستعمار الأوروبي في القرن السادس عشر، عاد الأوروبيون إلى أطماعهم القديمة في العالم العربي. وكانت حملة نابليون الفرنسي على مصر وسوريا عام 1798 بداية للدخول العسكري الأوروبي إلى المنطقة.
وعلى الرغم من أن هذه الحملة فشلت عسكرياً، إلاّ أنها استطاعت رصد مكامن الضعف عند العرب والمسلمين، مما هيأ للأوروبيين في مراحل لاحقة تحقيق أهدافهم. فلم ينقضِ القرن التاسع عشر، حتى سقطت معظم البلاد العربية والإسلامية في أيدي المستعمر الفرنسي والبريطاني، ونجح الأوروبيون في إعادة السيطرة على طرق التجارة.
وشاءت الأقدار أن تختزن الأرض العربية كميات هائلة من النفط والغاز، فأصبحت طرق التجارة ومكامن النفط والغاز في أيدي الغربيين. واستطاعت الشعوب العربية والإسلامية أن تستعيد الاستقلال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فظهرت دول عربية وإسلامية لها مطامح في التطور وتحقيق الوحدة العربية والإسلامية.
وكان الغرب يرصد تحركات هذه الدول، وسرعان ما استشعر الخطر، بعد أن امتلكت العديد من الدول العربية والإسلامية ناصية التنمية.
لذلك كان لا بد أن ينهض من جديد لخوض حروب صليبية جديدة بهدف قطع الطريق على العرب والمسلمين وإبقائهم تحت السيطرة الغربية الدائمة. فظهر مفهوم “الحرب على الإرهاب” وليس المقصود “بالإرهاب” هنا الأفراد، بل الدول التي اقتربت من الخطوط الحمر التي وضعها الغرب لحدود التطور والنمو في العالم العربي والإسلامي.
وتولّت الولايات المتحدة قيادة هذه الحرب، فاحتلت أفغانستان والعراق. وتصاعدت حملاتهم على العرب والمسلمين المقيمين بينهم وعلى العالم العربي والإسلامي ككل. وآخر الحملات هذه كانت في نشر صور مسيئة إلى شخص الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) في صحف دنماركية ونرويجية وأوروبية أخرى، وعلى الرغم من أن الإساءة إلى شخص الرسول الكريم تجرح كرامة كل مسلم في العالم.
إلاّ أن الدول الأوروبية التي نشرت هذه الصور المسيئة فيها، رفضت تقديم الاعتذار الرسمي إلى العرب والمسلمين بدعوى أن ذلك يدخل في إطار ما يسمى “حرية التعبير”، لا بل إن الرئيس الأمريكي بوش أعلن تضامن بلاده مع حلفائها الأوروبيين.
ولا شك أن هذه الأزمة فتحت الباب واسعاً أمام اندلاع نزاع شامل بين الشرق المسلم والغرب، وهذا النزاع سيقع لا محالة لأن الغربيين لن ينفكّوا عن السير بهذا الاتجاه حتى يتحقق لهم المراد، ويشعلوا حرباً عالمية ثالثة تكون أملهم الأخير في ديمومة سيطرتهم الاستعمارية على العالم العربي والإسلامي، بعد أن برعوا وتفننوا في صناعة المخترعات العسكرية وصنوف المهلكات والمدمرات والأسلحة غير التقليدية.
فالعالم اليوم كله في حالة حرب، وحديث عن الحرب والاستعدادات للحرب، حرب بين الأمم فقط من أجل تحصيل خيراتها الاقتصادية ومن أجل إذلالها وتدميرها لتفنى وتموت.
الدار العراقية
الصراع على المنطقة وسيادة المبادئ == محمد خليفة
