هيئة علماء المسلمين في العراق

المقارنة بين حدثين... وليد الزبيدي
المقارنة بين حدثين... وليد الزبيدي المقارنة بين حدثين... وليد الزبيدي

المقارنة بين حدثين... وليد الزبيدي

مثلما فسر البريطانيون والغربيون والعرب والمتأمركون ما أبرزته الفضائيات يوم التاسع من أبريل \"نيسان\" عام 2003، وما التقطته كاميرات الصحفيين المتواجدين في بغداد في تلك الأيام، والذين أخضعوا تلك الصور والمشاهد للتحليل وفق أمزجتهم وما تريده أجنداتهم، أرى ضرورة مناقشة أي ظاهرة مشابهة او مماثلة تحصل في أرجاء المعمورة، وأقصد هنا مناقشة ظاهرة الإجرام غير المسبوقة التي برزت في بريطانيا إثر مقتل البريطاني "مارك دوجان" وما صاحب ذلك الحادث من عمليات سرقة ونهب وسلب وحرق للممتلكات الخاصة والعامة.
إن أوجه المقارنة عديدة، إلا أنني أريد التوقف عند أبرزها، ولتكن البداية عند الحادث الذي أشعل فتيل الظاهرة في لندن، وما هي الأجواء التي كانت سائدة في العراق وتحديدا ببغداد التي حاولت وسائل الإعلام العربية والأجنبية تصويرها على أنها ظاهرة خطيرة ومتجذرة في أعماق المجتمع العراقي، إلا أن أحداث لندن التي تجري بعد ثماني سنوات على الأحداث التي جرت في بغداد تكشف حقائق لا يمكن إغفالها على الإطلاق، فإذا جاءت شرارة الأحداث بلندن على خلفية مقتل بريطاني واحد، فإن ما جرى في بغداد من عمليات سلب ونهب حصلت بعد اجتياح بلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه من قبل أكبر قوتين عسكريتين على أرض المعمورة، هما أمريكا وبريطانيا وبمساعدة مباشرة من غالبية الدول العربية وتسهيل ودعم من إيران، كما اعترف بذلك ابطحي نائب الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، فهناك من فتح أراضيه لتسهيل غزو العراق، وهناك من فتح مياهه وأجواءه، والآخرون قدموا الدعم الاستخباري واللوجستي.
وعدد سكان دول الغزو الرئيسية "أمريكا وبريطانيا" فتتجاوز الأربعمائة مليون مقابل أقل من ثلاثين مليون عراقي في سنة الغزو عام 2003، ولا حاجة للتذكير بالميزان العسكري بين العراق ودول العدوان والغزو، ولا بالإمكانات الاقتصادية والإعلامية، ويجب أن لا ننسى أن الأساس الذي اعتمده الأمريكيون في الاستحضار للغزو هو الجانب النفسي الذي أطلقوا عليه تسمية "الصدمة والترويع"، وتم استخدام مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا في توجيه القصف المدمر للمدن والأحياء السكنية في مختلف المدن العراقية.
وبعد ثلاثة أسابيع من الحرب المرعبة ودخول القوات الأمريكية إلى بغداد أصبح العراقيون في أوضاع نفسية في غاية التعب والإرهاق، وأفضى ذلك إلى حالة من التشويش والضبابية ربما لم يعشها شعب على وجه المعمورة في العصر الحديث، فلا يعرف العراقيون إلى أين تتجه بهم العاصفة وإلى أين الأمواج تسير، ولكن لم يحصل في العراق مثلما حصل في بريطانيا..
فإذا أفضى قتل بريطاني واحد إلى اندلاع أوسع عمليات سرقة ونهب وسلب للممتلكات الخاصة والعامة، فإن ما حصل في العراق عبارة عن قتل مباشر لعشرات الآلاف من العراقيين من بينهم الأطفال والشيوخ والنساء وتدمير شامل للبنية التحتية وسيطرة مطلقة على أجواء العراق، وبث اليأس التام في نفوس العراقيين، ولم يشاهد الكثيرون منهم إلا أكداسا من الغبار والرماد، أما ضوء الأمل فقد كان عبارة عن خيط ضعيف وواهن يرتجف وسط ظلام دامس.
في هذه الظروف حصل ما حصل في العراق، وفي الظروف التي يعرف الجميع ما يجري في بريطانيا، وسنتحدث عن الظروف والأجواء الأخرى في كل من بريطانيا والعراق، ولا يمكن المقارنة في جميع الأحوال بين حجم ما يجري في بريطانيا وما جرى في العراق، كما أن الحقائق التي سأتحدث عنها تؤكد وجود اختلاف جوهري وكبير بين طبيعة المجتمع العراقي والبريطاني.



... صحيفة العرب بريطانيا

أضف تعليق