هيئة علماء المسلمين في العراق

عذابات أسير عراقي في سجون العراق الجديد - سميرة رجب
عذابات أسير عراقي في سجون العراق الجديد - سميرة رجب عذابات أسير عراقي في سجون العراق الجديد -       سميرة رجب

عذابات أسير عراقي في سجون العراق الجديد - سميرة رجب

جون بيس، هو أحد قدامى العاملين لدى الامم المتحدة (أكثر من 40 عاما)، المسؤول السابق عن حقوق الانسان لدى الامم المتحدة في العراق، صرّح بعد أسبوعين من مغادرته بغداد إلى صحيفة اندبندانت أون صنداي (الأحد 27 فبراير 2006) قائلاً «إن مئات العراقيين يُعَذّبُون حتى الموت شهرياً في بغداد وحدها على أيدي فرق التصفية التابعة لوزارة الداخلية العراقية«. واسترسل شارحاً «إن ثلاثة ارباع جثامين القتلى في مستودع الجثث ببغداد تحمل آثار التعذيب بالمثقاب أو حروق بالسجائر وطلقات نارية في الرأس، ونفذت معظم التصفيات المليشيات التي تعمل لصالح وزارة الداخلية«.

وأشار الى ان مستودع الجثث في بغداد تَلَقّى 1100 جثة في يوليو 2005 من بينها 900 جثة تحمل آثار التعذيب والاعدامات السريعة، وإن حصيلة القتلى استمرت على هذه الوتيرة طوال عام 2005 وحتى ديسمبر حين انخفضت الى 780 جثة من بينها نحو 400 جثة تحمل آثار جروح بالرصاص والتعذيب.

ويعد تصريح جون بيس، محايداً بالنسبة إلى جميع الأطراف في العراق... ومن هذا التصريح ننطلق لنشرح، بشيء من التفصيل، أنواع التعذيب الذي يُمارس في تلك السجون السرية التي تقع معظمها تحت الأرض، بحراسة رجال الداخلية العراقية التي تديرها علناً شخصيات إيرانية لا تتكلم العربية، فيستعينون بمترجمين ملازمين لهم باستمرار. في حديث مع الكاتبة، يقول أحد العراقيين،
من واقع التجربة، إنهم في العراق عندما يتعرضون لقضية مروروية ويؤخذون إلى مراكز الشرطة، عادة ما يكون السؤال الأول (عبر المترجم) هو «هل كنت مشاركاً في الحرب ضد إيران، فإذا كان الجواب نفياً يُحاسب على مخالفته المرورية فقط، وإن كان إيجاباً، يُنَحّى جانباً، حتى يأتي رجال آخرون لأخذه حيث يعتقل ويتم تعذيبه، وغالباً ما يموت هؤلاء تحت التعذيب«... فتعلّم العراقيون أن ينكروا مشاركتهم في تلك الحرب.

أما متحدثنا الآخر، فهو أحد الذين تعرضوا للتعذيب في سجون الداخلية العراقية، وهو شاب في العشرينات من عمره، لاتزال آثار جروح ملتئمة على وجهه، خافت الصوت وحزين النظرات، بدأ حديثه بطلبين «أرجو أن تكتبوا قصتي هذه، لأنها قصة مئات الألوف من العراقيين اليوم، ليعرف العرب ماذا نعاني من الاحتلال الإيراني بعد أن دفع آباؤنا أرواحهم ثمناً لحماية حدودهم... كما أرجو عدم ذكر اسمي أو التقاط صور لي خوفاً على أهلي وعشيرتي الذين سيتعرضون لاقسى العقوبات إذا تعرّف قادة العراق الجدد على شخصيتي«، واسترسل في الوصف من دون توقف، وكأنه يتلفّظ ما بداخله لعله يتمكّن من استرجاع روحه.

«لقد تم القبض عليّ في الشارع مع اثنين من أصدقائي الشباب، من قِبَل رجال بملابس الأمن، ويتكلمون العربية بلكنة إيرانية، وبعد أن تعرّفوا على هوياتنا وأسماء عشائرنا، وجهوا لنا تهمة الإرهاب، فرفضنا وبدأوا يضربونا بعصي سميكة وقوية على كل أجزاء أجسامنا بدون رحمة، وبينما كنت وصديقي الآخر نحاول جاهدين حماية أنفسنا من دون فائدة، كان الثالث يقاومهم بشراسة لما يتمتع به من بنية جسدية قوية... نزفت أجسامنا، ومع شدة التعب والآلام والكسور خارت قوانا، وبدأ الانهيار،

وفقدت الوعي لأصحو على صوت أحدهم يقول لي صاحبك القوي الذي كان يقاومنا مات، ولم أع مَن هو المتحدث، أو ماذا يقول أو عمّن يتحدّث، لأنني كنت أفتح عيني وأرى الأشياء تتحرك وأسمع الأصوات ولا أعرف أين أنا ولا اذكر شيئاً مما حدث، إذ قد مر يومان أو ثلاثة وأنا في حالة الإغماء، وأصحو لأفقد الوعي مرة أخرى بسبب الأوجاع القاتلة في صدري نتيجة ضلوع مكسورة، ويدي التي وضعت في الجبس وأثار النزيف والألم في رأسي ووجهي وكل جسمي... وتمكنوا من إنقاذي لأجد نفسي في زنزانة صغيرة يأتون بالدواء لعلاجي، والطعام الذي يضعونه في فمي لسوء حال يديّ، واستمر هذا الحال أكثر من أربعة أسابيع حتى تعافيت، وكنت اعتقد أنهم يحاولون إخفاء آثار جريمتهم لإطلاق سراحي. إلا انه ما ان تحسنت صحتي، حتى تغيّر كل شيء... وبأحد الأيام قيّدوا يدي بالخلف وعصبوا عينيّ وأخذوني للتحقيق والسؤال عمن أعمل معهم، ولأنني لم اعترف بما يريدون، بدأوا بتعذيبي... إضافة للضرب والإهانات والإرهاق الجسدي والنفسي الذي استمر طوال الوقت بدأو بإيصال التيار الكهربائي بجسمي، عند أصابع القدمين، ليأخذ مداه حتى يصبح لوني قاتماً وقبل أن أفقد الوعي تماماً يفصل التيار الكهربائي وأقع على الأرض هزيلاً، وما أن استعيد شيئاً من قواي، حتى يوصلوا التيار بجزء آخر من جسمي وأحياناً في أكثر الأجزاء حساسية، وهكذا حتى أصاب بالإنهيار...

وإستمر الضرب المبرح والإهانات والألم والصراخ طوال فترة الاعتقال الذي استمر حوالي سبعة أشهر، وكل يومين أو ثلاثة يقدمون لي ربع كأس من الماء وقطعة صغيرة من الخبز، دون فك عيني أو يديّ، فلم أتمكن من الأكل في الأيام الأولى، حتى بدأ الهزال يأخذ من قواي التي لم تعد تتحمّل التعذيب، مما دفعني لأكل الخبز بأية طريقة لأبقى حياً.
وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة وضعوني مع 164 شابا مقيدي الأيادي ومعصوبي العيون، مثلي، في غرفة لا تزيد مساحتها على 30 متر مربع، فكنا من شدة الإعياء والألم نسقط على بعضنا بعضاً للحصول على شيء من الراحة بعد أن يتركوننا في نهاية كل فصل طويل من التعذيب. كانوا يضعون على رؤوسنا أكياسا ويربطونها عند الرقبة، وبداخلها سحالي صغيرة تجعلنا نعيش في عذاب حتى الجنون، وقد جُنّ بعض الشباب. كانوا يجعلوننا طوال الوقت مواجهين للجدار، وعادة ما يمر أحد أولئك الحراس ليجرح ظهورنا بموس أو آلات حادة على ما بها من جروح ليعلوا الصراخ من شدة الألم حتى ننهار. قبل خروجي بفترة كانوا يعطوننا عشر دقائق للأكل على أن يفك كل واحد منا يد الآخر ويربطها قبل أن يصل الحرّاس، ومن لم يتم ربط يديه يتم ضربه حتى ينهار، فكان الوقت ضيقاً ولم يكن يتسع للأكل. كانوا يدخلوننا في غرف صغيرة مليئة بالسحالي والعقارب وأنواع من الحيوانات الزاحفة مما يسبب العذاب النفسي والعصبي والإنهاك الجسدي وأحياناً كثيرة التسمم والموت... كانوا يوجهون لنا أقبح وأقذر الشتائم والكلمات، بما فيها شتم الله ورسوله...

في اليوم الأول كان وزني 95 كيلوجرام، واليوم الأخير كان 35 كيلوجرام«. ويتساءل أسيرنا الشاب «هل هؤلاء مسلمون؟، بل هل هؤلاء بشر مثلنا؟، وهل هناك نفوس حاقدة ومريضة لهذه الدرجة التي لا يمكن تخيّلها؟«... فسألت محدّثي إن كان قد أخذ علاجاً نفسياً بعد فك أسره، قال «لا، واعتقد بأنني لا أحتاجه، لأن أهلي وفروا لي الرعاية والعلاجات الطبية الأخرى، وسأشفى بإذن الله، ولكن لا يمر عليّ يوم واحد دون أن أبكي في صلاة الفجر عندما أتذكر أولئك الشباب الذين بقوا في ذلك المعتقل، وأنا أعرف ما يتعرضون له في كل لحظة، فأدعوا لهم في كل صلواتي

«... سألته «هل ستنسى«، فارتفع صوته لأول مرة ليقول «لن أنسى ما دمت حياً، وسأبقى أتذكر أصواتهم حتى بعد مائة عام، فطوال سبعة أشهر لم أكن أسمع صوتاً غير أصواتهم، الجبناء لم يفتحوا عيني لأرى وجوههم«... وهناك مئات الألوف من العراقيين الذين يبحثون عن الانتقام، كما يطلبه أسيرنا الشاب، فياترى هل هناك شريعة تمنع حقهم في الانتقام؟...
وللحديث صلة... في المقال القادم اقرأوا مذكرات سجينة عراقية فك الله أسرها من سجون الأمريكان.

اخبار الخليج البحرينية

أضف تعليق